الاقتصاد

أزمة الديون تضغط على الحكومات الأوروبية.. كيف يهدد ارتفاع الفوائد الخدمات العامة؟

كشفت الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها عدة دول أوروبية مؤخرا عن حجم الضغوط المالية التي تواجهها الحكومات، في ظل تصاعد الديون العامة وارتفاع تكاليف خدمتها، الأمر الذي يضع صناع القرار أمام معادلة صعبة تجمع بين ضبط الإنفاق والاستجابة لمطالب المواطنين.

وسجلت فرنسا أكبر موجة من الاحتجاجات، بمشاركة أكثر من نصف مليون متظاهر، فيما شهدت إيطاليا وبلجيكا والبرتغال مظاهرات تندد بارتفاع تكاليف المعيشة وضعف الأجور وتراجع المخصصات المالية للتعليم العام، خصوصا في المناطق الفقيرة والمهمشة.

تراكم الديون يفاقم الأزمة المالية

اعتمدت حكومات أوروبية على مدى سنوات طويلة على الاقتراض لتمويل الخدمات العامة، بما يشمل الصحة والتعليم وبرامج الرعاية الاجتماعية. لكن تراكم القروض على مدى عقود أدى إلى زيادة مدفوعات الفوائد، ما قلص الموارد المتاحة للإنفاق على الخدمات الأساسية.

وتفاقمت الضغوط بفعل التضخم الناجم عن ارتفاع أسعار الطاقة منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في نهاية فبراير/شباط الماضي، الأمر الذي زاد الأعباء المعيشية على المواطنين ورفع تكلفة الإنفاق الحكومي.

وفي فرنسا، ارتفعت تكاليف الاقتراض إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2002، مع صعود العوائد على السندات الحكومية، وهو ما يزيد صعوبة تلبية مطالب المحتجين الذين يدعون إلى رفع الإنفاق على الخدمات العامة.

ولم يقتصر التوسع في الاقتراض على الدول الأوروبية، إذ لجأت اقتصادات كبرى، من بينها الولايات المتحدة والصين واليابان، إلى زيادة ديونها بمستويات متفاوتة.

ووفقا لمعهد التمويل الدولي، ارتفع إجمالي الدين العالمي، الذي يشمل ديون الحكومات والأسر والشركات، بنحو 10 تريليونات دولار خلال النصف الأول من عام 2026، ليتجاوز 365 تريليون دولار، أي ما يعادل نحو 44 ألف دولار لكل فرد في العالم.

كيف تقترض الحكومات الأموال؟

تلجأ الحكومات إلى الاقتراض لتمويل احتياجاتها، لكنها تعتمد عادة على إصدار السندات بدلا من الاقتراض المباشر من البنوك. وتُباع هذه السندات إلى المستثمرين والمؤسسات والأفراد، الذين يقدمون الأموال للحكومة مقابل الحصول على فوائد، مع تعهدها بإعادة المبلغ الأصلي في موعد محدد.

وتُعد السندات الحكومية لأجل عشر سنوات من الأدوات الشائعة في أسواق الدين، إذ تمثل قرضا تلتزم الحكومة بسداده بعد مرور عقد من الزمن.

وتحظى عوائد السندات بأهمية كبيرة في الأسواق المالية، لأنها تعكس تقييم المستثمرين للمخاطر المرتبطة بإقراض الحكومات ومدى ثقتهم بقدرتها على الوفاء بالتزاماتها المالية.

كيف تتم عملية الاقتراض عبر السندات؟

يمكن توضيح آلية الاقتراض الحكومي من خلال مثال مبسط:

  • تصدر الحكومة سندا لأجل عشر سنوات بقيمة 100 دولار.
  • إذا حُددت الفائدة السنوية عند 5%، تدفع الحكومة لحامل السند 5 دولارات سنويا.
  • على مدى السنوات العشر، تصل مدفوعات الفائدة إلى 50 دولارا، بافتراض ثباتها طوال المدة.
  • عند حلول موعد الاستحقاق، تعيد الحكومة المبلغ الأصلي البالغ 100 دولار إلى حامل السند.

وبذلك تحصل الحكومة على التمويل الذي تحتاج إليه في الوقت الراهن، مقابل التزامها بدفع الفوائد دوريا وإعادة أصل الدين عند الاستحقاق.

ماذا يحدث عندما ترتفع تكلفة الاقتراض؟

ترتبط أسعار السندات وعوائدها بعلاقة عكسية؛ فعندما تنخفض القيمة السوقية للسندات القائمة، ترتفع عوائدها بالنسبة إلى المستثمرين الذين يشترونها بالأسعار الجديدة.

فإذا كان سند حكومي بقيمة اسمية تبلغ 100 دولار يدفع فائدة سنوية ثابتة قدرها 5 دولارات، فإن عائده يبلغ 5% عند شرائه بالقيمة الاسمية.

لكن إذا انخفض سعر السند في السوق إلى 90 دولارا، فإن العائد الجاري للمشتري الجديد يرتفع إلى نحو 5.56%، لأن الفائدة السنوية البالغة 5 دولارات أصبحت تمثل نسبة أكبر من سعر الشراء.

ولا يعني ذلك أن الحكومة رفعت الفائدة تلقائيا على السند الأصلي، بل إن انخفاض سعره في السوق أدى إلى زيادة عائده للمستثمر الذي يشتريه بسعر أقل.

وتكتسب هذه العلاقة أهمية خاصة بالنسبة إلى الحكومات التي تحتاج إلى إصدار سندات جديدة باستمرار أو إعادة تمويل ديون مستحقة. فكلما ارتفعت العوائد المطلوبة من المستثمرين، زادت تكلفة الاقتراض الجديد، وقد ترتفع أيضا أعباء خدمة الدين تدريجيا مع تجديد القروض واستحقاق السندات القديمة.

ونظرا إلى ضخامة المبالغ التي تقترضها الحكومات، فإن أي زيادة محدودة في أسعار الفائدة قد تتحول إلى أعباء مالية كبيرة على الموازنات العامة.

وتؤدي هذه الأعباء إلى تقليص الأموال المتاحة للإنفاق على قطاعات مثل التعليم والإسكان والطرق ومعاشات التقاعد، ما يزيد صعوبة استجابة الحكومات للمطالب الاجتماعية، خصوصا في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة.

أعلى 10 دول أوروبية من حيث عوائد السندات لأجل عشر سنوات

بحسب بيانات موقع إنفستينغ دوت كوم خلال أكتوبر/تشرين الأول الجاري، جاء ترتيب الدول الأوروبية العشر الأعلى من حيث عوائد السندات الحكومية لأجل عشر سنوات على النحو التالي:

  • المملكة المتحدة: 5.38%.
  • فرنسا: 4.9%.
  • إيطاليا: 4.48%.
  • ليتوانيا: 4.42%.
  • سلوفاكيا: 4.36%.
  • مالطا: 4.34%.
  • اليونان: 4.33%.
  • بلجيكا: 4.26%.
  • كرواتيا: 4.14%.
  • قبرص: 4.03%.

وتعكس هذه المستويات تفاوت تكاليف الاقتراض بين الدول الأوروبية، كما تسلط الضوء على الضغوط التي تواجه الحكومات في إدارة ديونها وسط مطالب متزايدة بتحسين الخدمات العامة ورفع الإنفاق الاجتماعي.

وتتمثل المعضلة الأساسية في كيفية الموازنة بين احتياجات المواطنين ومتطلبات الاستقرار المالي، إذ إن زيادة الإنفاق قد تعمق العجز إذا لم تقابلها إيرادات كافية، في حين أن تقليص النفقات قد يؤدي إلى اتساع الاحتجاجات وتفاقم الاستياء الشعبي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى