الاقتصاد

معركة “الشرايين المالية” بين واشنطن والحرس الثوري الإيراني: حرب موازية خارج ساحة الصواريخ

في موازاة التصعيد العسكري والسياسي مع إيران، تكثّف الولايات المتحدة تركيزها على ما تصفه بـ“الشرايين المالية” التي تمكّن الحرس الثوري من الاستمرار رغم العقوبات المشددة، في إطار مواجهة تمتد من ميادين القتال إلى شبكات الاقتصاد الموازي.

ويُعد الحرس الثوري، وفق الرؤية الأمريكية، لاعبًا اقتصاديًا مركزيًا لا يعتمد على مصدر تمويل واحد، بل يدير شبكة مالية متعددة المستويات تشمل تجارة النفط، وشركات الواجهة، والتهريب، وصولًا إلى العملات الرقمية المشفّرة.

وتشير تقارير أمريكية إلى أن النفط لا يزال يمثل العمود الفقري لتمويل هذه المنظومة، عبر ما يُعرف بـ“أسطول الظل”، وهو شبكة ناقلات تعمل خارج الأطر البحرية التقليدية، وتستخدم أساليب معقدة لإخفاء مسارات الشحن وتغيير بيانات الشحنات، بما يسمح بتصدير النفط الإيراني — غالبًا إلى أسواق آسيوية وعلى رأسها الصين — بطرق ملتفّة على العقوبات.

وبحسب تلك التقديرات، تعتمد هذه العمليات على شركات وهمية ووسطاء ماليين وحسابات غير مباشرة، ما يجعل تتبع حركة الأموال أكثر تعقيدًا، ويتيح للحرس الاحتفاظ بجزء من عائداته بعيدًا عن النظام المالي العالمي.

توسع أدوات التمويل: من النفط إلى العملات الرقمية

ومع تشديد القيود على النظام المصرفي التقليدي، برزت العملات الرقمية كأداة بديلة للتحويلات المالية وتخزين الأموال خارج الرقابة المباشرة. وتتهم واشنطن جهات مرتبطة بإيران باستخدام منصات تداول مشفّرة لتنفيذ عمليات مالية عابرة للحدود، مستفيدة من طبيعة هذا القطاع اللامركزية وصعوبة تتبع هوية المستفيد النهائي.

هذا التحول الرقمي، وفق التقديرات الأمريكية، منح طهران هامشًا إضافيًا للتحرك المالي، خارج القنوات المصرفية الخاضعة للرقابة الدولية، عبر محافظ رقمية وشبكات تحويل يصعب رصدها بالكامل.

شركات الواجهة وشبكات التهريب

إلى جانب ذلك، تلعب شركات الواجهة دورًا محوريًا في إدارة النشاط الاقتصادي المرتبط بالحرس الثوري، إذ تُسجّل غالبًا خارج إيران أو بأسماء غير مباشرة، بما يسمح بإخفاء الملكية الحقيقية وتسهيل العمليات التجارية.

كما تتهم وزارة الخزانة الأمريكية بعض هذه الكيانات بإدارة عمليات مصرفية موازية، وتمويل صفقات نفط وشحن ونقل بحري، إضافة إلى استخدام مكاتب صرافة ووسطاء ماليين لإعادة تدوير الأموال ضمن مسارات تبدو قانونية ظاهريًا.

أما على مستوى الحدود البرية، فتشير تقارير أمريكية إلى أن التهريب والتجارة غير الرسمية مع دول الجوار يشكلان مصدر دخل إضافيًا مهمًا، خصوصًا في ظل القيود المفروضة على الموانئ والتأمين البحري وحركة الشحن المرتبطة بالنفط الإيراني.

مواجهة متعددة الأدوات

وتسعى واشنطن، بحسب ما يورده مسؤولون أمريكيون، إلى تفكيك هذه الشبكات عبر أدوات تتجاوز العقوبات التقليدية، لتشمل ملاحقات استخباراتية وبرامج مكافآت مالية، من بينها مبادرة “مكافآت من أجل العدالة” التي رصدت مبالغ تصل إلى 15 مليون دولار مقابل معلومات عن الشبكات المالية المرتبطة بالحرس الثوري.

وفي المقابل، تعكس هذه المعركة الاقتصادية قدرة إيران على تطوير أدوات بديلة للتكيّف مع العقوبات، عبر بناء منظومة مالية موازية، ما يجعل المواجهة بين الطرفين حربًا طويلة الأمد لا تُحسم فقط في المجال العسكري، بل في عمق البنية المالية العالمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى