من الفرد إلى الثقافة.. كيف يعيد مروان الدويري التفكير في العلاج النفسي خارج النموذج الغربي؟

داخل عيادته في مدينة الناصرة، وعلى مدار عامين، لاحظ الطبيب وعالم النفس الفلسطيني مروان الدويري أن كثيرا من نظريات وأدوات العلاج النفسي التي تلقاها خلال دراسته في الجامعات الغربية لم تكن كافية لفهم تجارب المراجعين الذين يقصدون عيادته
ومن خلال تجربته التي وثقها في كتابه المرجعي “من التحليل النفسي إلى التحليل الثقافي”، خلص الدويري إلى أن المشكلة النفسية لا تتمحور دائما حول الفرد باعتباره كيانا مستقلا، كما تفترض بعض المقاربات الغربية، بل قد تكون مرتبطة بمنظومة جماعية تتداخل فيها الأسرة والدين والقيم الاجتماعية، وتؤثر جميعها في سلوك الفرد وقدرته على التعبير عن مشاعره واحتياجاته.
من “بماذا يشعر الفرد؟” إلى “ما الذي يشكل شعوره؟”
دفعت هذه الملاحظة الدويري إلى إعادة التفكير في أساليب التشخيص والعلاج، والعمل على تطوير مقاربة تتلاءم مع البنية النفسية والثقافية للمرضى.
فبدلا من الاكتفاء بالسؤال التقليدي: “بماذا يشعر الفرد؟”، أصبح السؤال الأكثر أهمية في سياقه العلاجي هو: ما القيم الثقافية التي تؤثر في مشاعر الفرد؟ وما القيم الأخرى الموجودة داخل الثقافة نفسها التي يمكن الاستناد إليها لمساعدته على التغيير؟
ورغم أن منهج الدويري لم يتحول إلى أسلوب علاجي معتمد على نطاق واسع في الأوساط العلمية العربية، فإن تجربته فتحت نقاشا حول مدى ملاءمة الأدوات النفسية التي نشأت في الغرب للتعامل مع مجتمعات تختلف عنه في اللغة والتاريخ والدين والبنية الاجتماعية.
وتطرح هذه التجربة سؤالا أوسع حول كيفية التعامل مع المعارف الإنسانية المستوردة، خصوصا عندما يكون موضوعها الإنسان نفسه، وهو كائن تتباين تجاربه النفسية باختلاف بيئته الثقافية والحضارية والتاريخية.
من الفردانية إلى التحليل الثقافي
يرتبط جوهر الإشكال، بحسب هذه المقاربة، باختلاف مفهوم “الذات” من ثقافة إلى أخرى.
فقد نشأ التحليل النفسي الغربي في مجتمعات برز فيها الفرد بوصفه ذاتا مستقلة، وأصبحت مفاهيم مثل الاستقلال وتحقيق الذات والتعبير عن المشاعر والرغبات عناصر أساسية في تصور الصحة النفسية.
لكن في البيئات التي تحتل فيها الأسرة والقرابة والدين مكانة مركزية، تتشكل الذات ضمن شبكة واسعة من المسؤوليات والعلاقات المتبادلة، ويصبح القرار الفردي مرتبطا أحيانا بمصالح الأسرة ونظرة المجتمع والقيم السائدة فيه.
ومن هنا يحاول الدويري تجاوز التركيز على الصراع النفسي الفردي وحده، للبحث في الطريقة التي يتشكل بها هذا الصراع داخل المنظومة الثقافية التي ينتمي إليها الشخص.
فالخوف والرغبة والشعور بالذنب لا تحمل بالضرورة المعاني ذاتها في جميع المجتمعات. وإذا كان التحليل النفسي التقليدي يسعى إلى الكشف عن الرغبات المكبوتة، فإن التعامل معها بمعزل عن المرجعيات الأسرية والدينية للمريض قد يؤدي أحيانا إلى تعميق الصراع بينه وبين محيطه بدلا من مساعدته على تجاوزه.
كيف يعمل “التحليل الثقافي”؟
يقترح الدويري منهج “التحليل الثقافي” بوصفه مقاربة تبحث داخل ثقافة الفرد ودينه عن قيم بديلة أو مهملة يمكن أن تساعده على الخروج من المأزق النفسي، من دون فرض منظومة قيم خاصة بالمعالج عليه.
وبينما يركز التحليل النفسي على الكشف عن المكبوتات والصراعات الداخلية، يحاول التحليل الثقافي الكشف عن المواقف والقيم الموجودة أصلا داخل منظومة اعتقاد المريض، والتي يمكن إعادة توظيفها بطريقة تساعده على التعامل مع مشكلته من دون الدخول في مواجهة مع أسرته أو مجتمعه.
وتقوم هذه المقاربة على أربع مراحل رئيسية:
فهم منظومة المعتقدات: التعرف إلى الأسرة والثقافة والقيم التي تشكل سلوك الفرد وطريقة تفكيره.
إظهار التناقضات الداخلية: مساعدة الشخص على اكتشاف القيم المتعارضة داخل ثقافته نفسها، بدلا من مواجهته بقيم مستوردة من خارجها.
توسيع منظومة المعتقدات: إدخال قيم وبدائل جديدة تجعل منظومة التفكير أكثر مرونة وقدرة على التعامل مع الظروف المختلفة.
إحداث التغيير السلوكي والانفعالي: بناء فهم جديد يساعد المريض على التعامل مع مشاعره وسلوكياته بطريقة أكثر توازنا.
حالة “حكيم”.. عندما تصبح الثقافة جزءا من العلاج
يقدم الدويري حالة “حكيم”، وهو طالب فلسطيني يبلغ 24 عاما، غير تخصصه الجامعي ثلاث مرات نتيجة معاناته من القلق، كما كان يشعر بتوتر شديد عند تقديم العروض أمام الطالبات، إلى جانب سلوك عصبي ومسيطر في تعامله مع أخته وأفراد أسرته.
وربط الدويري هذه الصعوبات بطفولة اتسمت بعقوبات قاسية، أعقبها تدين صارم ساعد حكيم على السيطرة على اندفاعاته، لكنه أسهم في الوقت نفسه في كبت غضبه ورغباته الجنسية.
بدلا من محاولة إبعاده عن مرجعيته الدينية، لجأ الدويري إلى البحث داخل هذه المرجعية عن قيم أخرى يمكن توظيفها في العلاج.
فعندما كان حكيم يعتقد أن التزامه الديني يفرض عليه مراقبة سلوك أفراد أسرته، ناقشه المعالج في حدود مسؤوليته الشخصية، مستندا إلى قيم مثل الرحمة والتسامح.
ومع استمرار الجلسات، أصبح حكيم أكثر قدرة على التعامل مع ذكرياته المؤلمة، وتحسن أسلوبه في التعبير عن نفسه، بينما تراجعت حدة القلق والعصبية التي كان يعاني منها.
وتشير هذه الحالة إلى فكرة أساسية في منهج الدويري، وهي أن الثقافة قد تكون جزءا من المشكلة، لكنها في الوقت نفسه يمكن أن تتحول إلى وسيلة للعلاج وإلى لغة لفهم المعاناة النفسية.
بين “المرض” و”المعاناة”
تفتح تجربة الدويري الباب أمام سؤال أوسع بشأن عالمية المفاهيم النفسية: هل تتشكل الذات بالطريقة نفسها في مختلف المجتمعات؟ وهل يمكن استخدام لغة تشخيص واحدة لفهم اضطرابات نفسية تتشكل داخل بيئات ثقافية مختلفة؟
هذا السؤال كان حاضرا في أعمال الطبيب النفسي وعالم الأنثروبولوجيا الأميركي آرثر كلاينمان، الذي درس محدودية النماذج التشخيصية الغربية عندما تطبق خارج السياقات التي نشأت فيها.
وفي دراساته المبكرة حول المرضى والمعالجين في السياق الثقافي، ميز كلاينمان بين “المرض” (Disease) باعتباره بناء طبيا يصف اضطرابا وفقا للمعايير التشخيصية، وبين “المعاناة” (Illness) التي تشير إلى التجربة التي يعيشها المريض ويفسرها وفقا لثقافته ومحيطه الاجتماعي.
فالثقافة تؤثر في الأعراض التي ينتبه إليها الشخص، وفي اللغة التي يستخدمها لوصفها، وفي الأسباب التي ينسبها إليها، وكذلك في تصوره لمعنى التعافي والشفاء.
وقد تظهر المعاناة في صورة أعراض جسدية أو نفسية أو دينية أو اجتماعية، بحسب السياق الذي يعيش فيه الفرد.
وفي دراسته حول الثقافة والاكتئاب في الصين، أوضح كلاينمان أن الاكتئاب قد يظهر لدى المرضى الصينيين في صورة تعب وآلام جسدية ودوار وشعور بالضغط الداخلي، في حين قد يكون مفهوم “الاكتئاب” نفسه بعيدا عن الطريقة التي يفهم بها المريض تجربته.
وأظهرت دراسة أجريت عام 1995 على 80 مريضا نفسيا في جنوب الهند وجود إشكال مشابه، إذ ركز المرضى في وصف حالاتهم على الأعراض الجسدية، بينما اتجه الأطباء إلى استخدام التصنيفات المرتبطة بالنموذج الغربي للاكتئاب.
وأدى ذلك إلى حصول 55% من المرضى على تشخيص غير محدد أو مزدوج، وهو ما ارتبط بالفجوة بين النماذج التفسيرية التي استخدمها الأطباء والخلفية الثقافية التي تشكلت فيها معاناة المرضى.
الطب النفسي يعترف بأهمية السياق الثقافي
ساهم تنامي الوعي بهذه الإشكالات في إدراج الجمعية الأميركية للطب النفسي عام 2013 “مقابلة الصياغة الثقافية” ضمن الإصدار الخامس من الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5).
وأتاح ذلك للطبيب مساحة أكبر لفهم تصورات المريض الثقافية أثناء عملية التشخيص، بما في ذلك الطريقة التي يفسر بها معاناته والأعراض التي يركز عليها والمفاهيم التي يستخدمها للتعبير عن حالته.
ويعكس هذا التوجه اعترافا بأن أشكال الضيق النفسي المتداولة داخل المجتمعات المحلية لا تتطابق بالضرورة مع التصنيفات التشخيصية الغربية الجاهزة.
اللغة ليست مجرد وسيلة للترجمة
أدى هذا الوعي إلى ظهور دعوات لبناء علوم نفسية تنطلق من البيئات المحلية بدلا من افتراض أن النظريات الغربية تصلح بصورة متطابقة لجميع المجتمعات.
ويعد كتاب “علم النفس الأصلي: البحث والخبرة في السياق الثقافي” الصادر عام 1993 للباحثين كيم أوي تشول وجون دبليو بيري من أبرز الأعمال التي دفعت في هذا الاتجاه، من خلال الدعوة إلى دراسة الإنسان داخل سياقه الاجتماعي والبيئي، بدلا من التعامل مع النظريات النفسية الغربية باعتبارها نماذج عالمية مكتملة.
وتطرح هذه المقاربة سؤالا أساسيا حول المفاهيم النفسية نفسها: إذا كانت اللغة التي يستخدمها الناس لوصف مشاعرهم تتشكل داخل سياقهم الثقافي، فإن نقل مفهوم مثل “الذات” إلى لغة أخرى لا يعني بالضرورة احتفاظه بالمعنى ذاته.
ومن هذا المنطلق، يقترح هذا الاتجاه بناء المفاهيم النفسية انطلاقا من السياقات المحلية أولا، ثم مقارنتها بين الثقافات المختلفة، بحيث تتحول الاختلافات اللغوية من مجرد مشكلة في الترجمة إلى مصدر مهم لفهم التنوع النفسي.
وفي السياق الأفريقي، شددت الباحثتان بولينغ سيغالو وزيثو كاكاتا عام 2017 على أن اللغات المحلية لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد أدوات لترجمة المصطلحات الغربية، بل بوصفها حاملة لمفاهيم وجودية ونفسية نشأت داخل المجتمعات نفسها.
وتظهر أهمية ذلك في الدراسات التي تناولت طقوس الموت في نيجيريا، إذ تمكن باحثون أجانب من تسجيل المظاهر الخارجية للطقوس، لكنهم واجهوا صعوبة في فهم دلالاتها النفسية والاجتماعية المرتبطة بالفقد والهوية بسبب محدودية معرفتهم باللغة المحلية وسياقها الثقافي.
أما في الفلبين، فقد جعل عالم النفس فيرجيليو إنريكيز اللغة مدخلا لبناء “علم النفس الفلبيني”، وطرح في كتابه الصادر عام 1992 مفهوم “التوطين من الداخل”.
واستند إنريكيز إلى مفاهيم محلية، من بينها “الذات المشتركة” (Kapwa) واستشعار مشاعر الآخر، لبناء معجم نفسي يستند إلى التجربة الفلبينية بدلا من الاعتماد الكامل على المفاهيم المستوردة.
نزع الاستعمار عن علم النفس
لا يقتصر نقد النموذج النفسي الغربي على مسألة اللغة أو أساليب الترجمة، بل يمتد إلى مساءلة الظروف التاريخية والاستعمارية التي ساهمت في تحديد ما يعتبر معرفة علمية مقبولة.
ورأى إنريكيز أن علم النفس الاستعماري يمكن أن يرسخ تبعية الإنسان المحلي عندما يفرض عليه مفاهيم لم تنشأ من واقعه الاجتماعي والثقافي.
ويتقاطع هذا الطرح مع أفكار الطبيب النفسي والمناضل فرانز فانون في كتابه “بشرة سوداء، أقنعة بيضاء” الصادر عام 1952، حيث تناول تأثير النظام الاستعماري والعنصري في تشكيل الذات، وكيف يمكن للإنسان الواقع تحت الهيمنة أن يتبنى أنماطا من فهم ذاته انطلاقا من منظومة فرضها الطرف المسيطر.
وفي عام 2014، وسع عالم النفس السريلانكي سومان فرناندو هذا النقد في كتابه “الصحة النفسية في العالم”، متتبعا تاريخ الطب النفسي في السياقات الاستعمارية وانتشار النماذج الدوائية والتشخيصية الغربية في دول الجنوب العالمي بعد الحرب العالمية الثانية.
ويرى فرناندو أن إحدى المشكلات الرئيسية تتمثل في التعامل مع تجربة محلية نشأت في الغرب باعتبارها معيارا عالميا، مع تهميش الموارد والمعارف العلاجية الموجودة في المجتمعات الأخرى.
ويؤدي ذلك، بحسب هذا الطرح، إلى إضعاف مكانة الممارسات المحلية وإبقاء بعض المجتمعات في حالة من التبعية المعرفية في مجال الصحة النفسية.
وفي هذا السياق، جاء كتاب “نزع الاستعمار عن علم النفس” الصادر عن الجمعية الأميركية لعلم النفس عام 2024 ليعكس اعترافا مؤسسيا متزايدا بالحاجة إلى مراجعة الإرث المركزي الأوروبي في العلوم النفسية.
ويناقش الكتاب الطريقة التي جرى بها تاريخيا التعامل مع المجتمعات غير الغربية باعتبارها موضوعات للدراسة، بدلا من إشراكها بصورة متساوية في إنتاج المعرفة النفسية.
ومن هنا يبرز مفهوم “العدالة المعرفية” باعتباره دعوة إلى إعادة النظر في كيفية إنتاج المعرفة النفسية وتوزيع سلطة تعريف ما يعد علما، ومن يملك حق تفسير التجربة الإنسانية، مع الاعتراف بتعدد السياقات واللغات والثقافات التي تتشكل داخلها النفس البشرية.







