جلال برجس: لا أريد تحويل الشخصية المهمشة إلى وصفة سردية ناجحة

يواصل الروائي الأردني جلال برجس، الفائز بالجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) عام 2021 عن روايته «دفاتر الورّاق»، استكشاف طبقات الألم الإنساني، متتبعا آثار القمع والتهميش في نفوس شخصياته.
وفي أحدث أعماله، المجموعة القصصية «نحيل يتلبسه بدين أعرج»، يتجه برجس إلى الداخل، مستكشفا العزلة والخوف والانقسام الوجودي لدى الإنسان المعاصر، بعيدا عن صخب العالم الخارجي.
وفي هذا الحوار، يتحدث برجس عن التأثيرات الفنية للفوز بالجوائز الأدبية، وحرصه على عدم تحويل الشخصيات المهمشة إلى نماذج سردية مكررة، كما ينتقد استغلال مآسي الحروب والكوارث لاستدرار العاطفة، ويناقش استقلال المرأة في السرد وأزمة الرواية العربية التي يرى أن جوهرها يكمن في غياب المغامرة على مستوى الرؤية قبل الشكل. كما يتطرق إلى سؤاله الوجودي المستمر عن هشاشة الإنسان وقدرته على إنتاج الجمال والخراب في آن واحد.
الأزمة الاجتماعية والوجودية للإنسان
في «دفاتر الورّاق» تبدو أزمة الفرد مرتبطة بفساد المؤسسات والتهميش وتراجع الثقافة، بينما تتقدم في مجموعتك القصصية «نحيل يتلبسه بدين أعرج» أسئلة العزلة والخوف والانقسام الداخلي والتشيؤ. هل انتقلت في مشروعك من البحث في الأسباب الاجتماعية لانهيار الإنسان إلى مساءلة وجوده نفسه، أم ترى أن المستويين لا ينفصلان؟
لا أعتقد أن هناك مسافة فاصلة بين أزمة الإنسان الاجتماعية وأزمته الوجودية، فالإنسان لا يعيش خارج شروطه، ولا يمكن النظر إلى الخراب الذي يصيب روحه بمعزل عن الخراب المحيط به.
في «دفاتر الورّاق»، كنت معنيا، من بين أمور أخرى، بالتساؤل عن مصير الإنسان عندما تتخلى عنه المؤسسات التي يفترض أن تحمي كرامته، وحين تصبح الثقافة عاجزة عن إنقاذه من السقوط. أما في «نحيل يتلبسه بدين أعرج»، فقد اقتربت أكثر من ذلك الخراب الذي يحدث بصمت داخل الإنسان، حتى إنه قد يبدو متماسكا من الخارج بينما يتداعى في أعماقه.
ما يشغلني في الكتابة هو الإنسان، لا بوصفه ضحية للظروف الاجتماعية فحسب، بل باعتباره كائنا معقدا يحمل تناقضاته ومخاوفه ورغباته وأسئلته التي لا تنتهي. وربما لهذا السبب أرى أن السؤال الاجتماعي، إذا ذهبنا به إلى نهاياته، يقودنا بالضرورة إلى السؤال الوجودي.
التعاطف مع الشخصية دون تبرئتها
في أعمالك شخصيات تدفعها الخسارة والتهميش إلى حافة الانهيار، وأحيانا إلى سلوك يصعب تبريره أخلاقيا. كيف تحافظ على حق الشخصية في التعقيد عندما يكون القارئ مستعدا لتبرئتها بسبب ما تعرضت له؟ وهل تستطيع الرواية التعاطف مع الإنسان دون منحه حصانة أخلاقية؟
أعتقد أن من أهم مزايا الرواية قدرتها على تحرير الإنسان من الأحكام المتسرعة. ففي حياتنا اليومية، نميل إلى تصنيف الآخرين ووضعهم في خانات الخير والشر، والبراءة والإدانة، بينما تكشف لنا الرواية أن الإنسان أكثر تعقيدا من هذه الثنائيات.
عندما أكتب شخصية تعرضت للقهر أو التهميش، لا أسعى إلى تبرير كل ما يصدر عنها، بل أحاول فهم المسافة بين الجرح والفعل، وبين ما تعرض له الإنسان وما اختار أن يفعله استجابة لذلك. فالظلم قد يفسر بعض السلوكيات، لكنه لا يمنحها بالضرورة مشروعية أخلاقية.
في «دفاتر الورّاق»، على سبيل المثال، لم أكن معنيا بتقديم إبراهيم الورّاق بوصفه بريئا من كل شيء، ولا بإدانته إدانة مطلقة. أردت الاقتراب من ذلك الإنسان الذي تتنازعه المعرفة والهشاشة والغضب والخوف، ومن اللحظة التي تتداخل فيها مسؤوليته الفردية مع مسؤولية المجتمع تجاهه.
أؤمن بأن الرواية تستطيع التعاطف مع الإنسان دون تبرئته، وفهم دوافعه دون تبنيها. بل أرى أن التعاطف الحقيقي يبدأ عندما نعترف بتعقيد الآخر، لا عندما نحوله إلى ضحية مثالية لا تخطئ.
الاضطراب النفسي بين التجربة الإنسانية والتوظيف الدرامي
في «دفاتر الورّاق» يؤدي اضطراب إبراهيم النفسي دورا محوريا في البناء السردي، بينما تقدم قصص مجموعتك الأخيرة انقسامات داخلية ومفارقات وجودية بطرائق مختلفة. كيف تتجنب تحويل الاضطراب النفسي إلى أداة درامية تفسر العنف أو الغرابة، بدلا من التعامل معه بوصفه تجربة إنسانية معقدة؟
أنطلق من قناعة بأن الإنسان لا يمكن اختزاله في مرضه، مثلما لا يمكن اختزاله في مهنته أو طبقته الاجتماعية أو ماضيه. فالمرض النفسي جانب من تجربة إنسانية شديدة التعقيد، وليس مفتاحا سحريا لتفسير كل ما تفعله الشخصية.
عندما كتبت إبراهيم الورّاق، لم أكن أبحث عن اضطراب نفسي يمنح الرواية عنصرا من الغرابة أو التشويق، بل كنت أحاول الاقتراب من إنسان يعيش تصدعا في علاقته بذاته وبالعالم، ورأيت أن بناءه النفسي جزء أساسي من تكوينه الروائي.
لكنني حرصت على ألا يصبح اضطرابه التفسير الوحيد لسلوكه، فهناك ماضيه وقراءاته وخساراته وعلاقاته، إلى جانب الظروف التي دفعته إلى حافة الانهيار.
وأعتقد أن الخطر يبدأ عندما يستخدم الروائي المرض النفسي ذريعة سهلة لتفسير العنف، أو يقدم المصاب به بوصفه كائنا مخيفا بالضرورة. فهذا التصور لا يسيء إلى الحقيقة الإنسانية فحسب، بل يضعف البناء الفني أيضا، لأنه يلغي تعدد الدوافع الذي يمنح الشخصية عمقها.
المرأة.. كيان مستقل لا أداة للإنقاذ
تحدثت سابقا عن المرأة بوصفها مركزا للإنقاذ في «دفاتر الورّاق». لكن عندما تكون المرأة مصدر خلاص للرجل، يظل حضورها معرضا لأن يُقاس بما تمنحه له. كيف تمنح شخصياتك النسائية استقلالا يجعل مصيرها ورغباتها وتناقضاتها ذات قيمة سردية، حتى عندما لا تخدم مسار البطل؟
عندما تحدثت عن المرأة بوصفها مركزا للإنقاذ، لم أقصد اختزال وجودها في وظيفة إنقاذ الرجل، لأن ذلك بحد ذاته يعيد إنتاج صورة نمطية طالما حاصرت المرأة في الأدب والحياة.
ما قصدته هو أن بعض الشخصيات النسائية تمتلك القدرة على فتح نافذة في عالم يوشك على الانغلاق، لكن هذه القدرة لا تلغي استقلالها ولا تختصر تجربتها.
وفي تجربتي الروائية، ولا سيما في «سيدات الحواس الخمس»، كان من بين الأمور التي تشغلني النظر إلى المرأة في علاقتها بالحرية والسلطة والجسد والرغبة، بعيدا عن الأحكام المسبقة التي تحاول تحديد ما ينبغي أن تكون عليه.
الذاكرة والكتابة في السيرة الذاتية
في «نشيج الدودوك» تتقاطع سيرتك مع المدن والكتب التي رافقت تجربتك. عندما يكتب المرء سيرته بعد أن يصبح كاتبا معروفا، تتدخل اللغة والذاكرة والصورة التي كوّنها عن نفسه في استعادة الماضي. كيف تميز بين ما تتذكر أنك عشته وما أصبحت تؤمن بأنك عشته بعد سنوات من إعادة تأمله وكتابته؟
عندما كتبت «نشيج الدودوك»، كنت مدركا لهذه الإشكالية. لم أكن أريد كتابة سيرة تقدم صورة مكتملة عن صاحبها، أو إعادة ترتيب الماضي بحيث يبدو وكأنه كان يمهد بالضرورة لما أصبحت عليه. أردت الاقتراب من ذلك الإنسان الذي كنته، بما امتلكه من أحلام ومخاوف وأسئلة، وبما لم يكن يعرفه عن المستقبل.
هناك فرق بين الحدث الذي وقع والمعنى الذي نمنحه له بعد سنوات. فقد نتذكر واقعة صغيرة لم نلتفت إليها في حينها، لكنها تصبح، مع مرور الزمن، مفتاحا لفهم مرحلة كاملة من حياتنا. هنا تتدخل الكتابة، لا لتزوير الذاكرة، بل للكشف عن طبقات لم نكن نراها.
البوكر وتوقعات القراء
في ندوة بمعرض بيروت للكتاب عام 2026، وصفت الجائزة بأنها سيف ذو حدين، بسبب المسؤولية التي تفرضها والتغير الذي تحدثه في المسار الإبداعي. ما الذي تغير في علاقتك بالكتابة بعد «دفاتر الورّاق»: مساحة الحرية، أم حجم التوقعات، أم الطريقة التي تقرأ بها عملك قبل نشره؟ وهل تستطيع تسمية جانب فني واحد أصبحت أكثر حذرا في التعامل معه بعد الفوز؟
لا شك أن الفوز بالجائزة العالمية للرواية العربية عام 2021 كان محطة مهمة في تجربتي، لكنه لم يغير الأسباب التي دفعتني إلى الكتابة منذ البداية. فقد منحت «دفاتر الورّاق» فرصة للوصول إلى قراء جدد، وفتحت أمام تجربتي آفاقا أوسع، لكنها وضعتني أيضا أمام أسئلة لم أكن منشغلا بها من قبل على هذا النحو.
قبل الفوز بالجائزة، كنت أكتب بعيدا عن التوقعات التي تصنعها الشهرة، أما بعدها، فقد أصبح هناك قارئ ينتظر عملا جديدا، وربما يقارنه بالرواية الفائزة. وهذا أمر طبيعي، لكن الخطر يبدأ عندما يسمح الكاتب لهذه التوقعات بالتدخل في خياراته الفنية.
أعتقد أن الجائزة قد تتحول إلى عبء إذا أصبح الكاتب أسيرا للرواية التي فاز بها، يحاول استعادة نجاحها أو إعادة إنتاج عناصرها. لذلك حرصت على ألا أجعل من «دفاتر الورّاق» نموذجا ينبغي تكراره، فالكتابة التي تعيد إنتاج نفسها، مهما حققت من نجاح، تبدأ بفقدان قدرتها على الاكتشاف.
وإذا أردت تحديد جانب فني أصبحت أكثر حذرا تجاهه، فهو إعادة إنتاج الشخصية المهمشة بالطريقة التي عرفها القارئ في «دفاتر الورّاق». ليس لأنني تخليت عن الانشغال بالمهمشين، بل لأنني لا أريد تحويلهم إلى وصفة سردية ناجحة. فلكل إنسان هشاشته الخاصة، ولكل رواية عالمها الذي ينبغي أن تكتشفه.







