ثقافة وأدب وفن

الحجاب في فرنسا.. من إرث الحقبة الاستعمارية إلى صدارة الجدل السياسي

ما إن يتراجع الجدل حول الحجاب في فرنسا حتى يعود إلى الواجهة من جديد، خصوصا مع اقتراب البلاد من استحقاقات انتخابية مهمة. ويأتي هذا الملف ضمن القضايا التي تحضر باستمرار في الخطاب السياسي لليمين المتطرف إلى جانب الإسلام والهجرة، وسط نقاش أوسع حول العلمانية والهوية وحقوق الأفراد.

وفي 30 أغسطس/آب الماضي، أعلن النائب عن حزب التجمع الوطني جان فيليب تانغي أن حزبه يعتزم فرض غرامات على النساء اللواتي يرتدين الحجاب في الأماكن العامة في حال فوز مارين لوبان بالانتخابات الرئاسية عام 2027.

وفي اليوم التالي، أعلنت لوبان بدورها أنها ستطرح مشروع قانون يجرّم ارتداء الحجاب الإسلامي في الأماكن العامة، وهو موقف سبق أن ظهر في برامجها الانتخابية خلال حملاتها الرئاسية السابقة.

ولا يمثل طرح حظر الحجاب توجها جديدا داخل حزب التجمع الوطني، إذ ظل إدراج هذا الملف ضمن برامج لوبان السياسية قائما منذ سنوات، في وقت يستمر فيه النقاش حول حدود العلمانية الفرنسية ومدى إمكانية فرض قيود إضافية على الرموز الدينية في المجال العام.

غير أن قضية الحجاب في فرنسا تحمل أبعادا تتجاوز الجدل السياسي الراهن، إذ ترتبط في جانب منها بتاريخ طويل يعود إلى فترة الاستعمار الفرنسي للجزائر، حين تحول لباس النساء الجزائريات إلى موضوع حاضر في التصورات الاستعمارية والثقافة الفرنسية عن المجتمع الجزائري.

الحجاب في المخيلة الاستعمارية

بدأ الاهتمام الفرنسي بالحجاب الجزائري منذ السنوات الأولى للاحتلال عام 1830، وترافق مع اهتمام أدبي وفني واسع بالنساء المحجبات والحريم والحياة الخاصة داخل المنازل.

ومن أبرز الأمثلة لوحة الرسام الفرنسي أوجين ديلاكروا «نساء الجزائر في شقتهن»، التي رسمها عام 1834. وقد حظيت اللوحة بإشادة في الأوساط الفنية الفرنسية، رغم أن الصورة التي قدمتها عن المجتمع الجزائري عكست بدرجة كبيرة التصورات الاستشراقية السائدة آنذاك.

ولم يكن الحجاب في هذه التصورات مجرد قطعة من الملابس، بل أصبح رمزا لعالم اعتبره المستشرقون غامضا ومغلقا، الأمر الذي جعل الكشف عن المرأة المحجبة جزءا من خيال ثقافي ارتبط بالنظرة الاستعمارية إلى المجتمع الجزائري.

وتكرر هذا التصوير في البطاقات البريدية التي انتشرت خلال بدايات القرن العشرين، والتي تناولها الكاتب الجزائري مالك علولة في كتابه «الحريم الاستعماري». ويرى علولة أن كثيرا من تلك الصور لم تكن انعكاسا للحياة اليومية للنساء الجزائريات بقدر ما كانت تعبيرا عن الصورة التي أراد المصورون الفرنسيون تقديمها عن المرأة «الشرقية».

وأظهرت بعض تلك البطاقات نساء بملابس تكشف أجزاء من أجسادهن أو في مراحل مختلفة من نزع الحجاب، بما جعل عملية الكشف نفسها جزءا من الصورة التي يتلقاها المتلقي الأوروبي عن المرأة الجزائرية.

فانون والحجاب في مواجهة الاستعمار

تناول الطبيب والمفكر فرانز فانون هذه المسألة في مقاله الشهير «الجزائر تخلع الحجاب»، الذي نشر عام 1959، وربط فيه بين سياسة الاستعمار الفرنسي ومحاولاته التأثير في لباس المرأة الجزائرية.

ورأى فانون أن السلطات الاستعمارية تعاملت مع الحجاب باعتباره أحد الرموز التي ينبغي تفكيكها لإعادة تشكيل المجتمع الجزائري وفقا للتصور الفرنسي. لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن النساء الجزائريات استطعن تحويل النظرة الاستعمارية إلى وسيلة للمقاومة.

فخلال حرب التحرير الجزائرية، استخدمت بعض النساء الحجاب في عمليات نقل الأسلحة والرسائل، مستفيدات من الصورة التي كوّنها المستعمر عن المرأة المحجبة باعتبارها بعيدة عن النشاط السياسي والمقاومة المسلحة.

وبذلك أصبح الحجاب، في السياق الاستعماري، رمزا قابلا لاستخدامه في اتجاهين متناقضين: أداة حاولت السلطة الاستعمارية توظيفها ضمن مشروعها لإعادة تشكيل المجتمع، ووسيلة استخدمتها نساء جزائريات للتحايل على إجراءات الرقابة وخدمة المقاومة.

حين ارتبطت حقوق الجزائريين بلباس النساء

لم يقتصر حضور الحجاب على المجال الثقافي والاجتماعي، بل امتد إلى النقاشات المرتبطة بالوضع القانوني والسياسي للسكان الجزائريين خلال الحقبة الاستعمارية.

ومع انتقال الجزائر إلى النظام المدني في ظل الجمهورية الفرنسية الثالثة، أصبح سكانها المسلمون يحملون وضعا قانونيا معقدا، مع وجود حقوق سياسية محدودة ومشروطة ضمن النظام الاستعماري.

وفي هذا السياق، برزت داخل الأوساط الاستيطانية الفرنسية تصورات تربط منح المسلمين حقوقا سياسية أوسع بمسألة وضع النساء ولباسهن، بحيث تحول الحجاب إلى رمز استخدم في النقاش حول مدى اندماج المجتمع الجزائري في النظام الاستعماري.

وهكذا لم يعد النقاش حول الحجاب يتعلق بالملابس أو الممارسة الدينية وحدهما، بل أصبح جزءا من صراع أوسع حول السلطة والهوية والمواطنة، وهي أبعاد تاريخية تساعد على فهم استمرار الحساسية الفرنسية تجاه هذه المسألة حتى اليوم.

ومع عودة الحجاب إلى قلب النقاش السياسي الفرنسي قبيل انتخابات 2027، يستمر الجدل بين من يضع المسألة في إطار الدفاع عن مبادئ العلمانية والمساواة، ومن يرى في فرض قيود على لباس النساء تدخلا في الحرية الدينية والشخصية، بينما يبقى الإرث الاستعماري أحد السياقات التاريخية التي يستند إليها الباحثون في تفسير خصوصية هذا النقاش داخل فرنسا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى