أخبار عربية ودولية

من هدوء تايوان المريب إلى “نافذة 2027”: هل تتجه الصين نحو حصار بدل الغزو؟

في صباح 27 فبراير/شباط 2026، رصدت أجهزة الدفاع التايوانية توقفًا مفاجئًا وغير معتاد للنشاط الجوي العسكري الصيني فوق محيط الجزيرة، بعد سنوات من الاختراقات شبه اليومية التي اعتادت تايبيه التعامل معها كروتين عسكري ثابت. غير أن هذا التوقف، الذي استمر قرابة أسبوعين مع خرق محدود، أثار موجة واسعة من التساؤلات في الأوساط العسكرية والاستخباراتية حول نوايا بكين في تلك المرحلة.

وبحسب محللين، لم يُقرأ هذا “الهدوء” بوصفه تراجعًا، بل كإشارة محتملة إلى إعادة تموضع أو تحضير لسيناريو أكثر تعقيدًا، سواء على مستوى المناورات أو التصعيد العسكري. وتزامن ذلك مع تقارير عن إعادة توزيع أمريكية لبعض قدراتها الدفاعية الصاروخية، بما في ذلك أنظمة “باتريوت” و“ثاد”، نحو الشرق الأوسط في ظل تصاعد التوتر مع إيران، وهو ما اعتبره بعض الخبراء عاملاً قد يؤثر على توازن الردع في المحيطين الهندي والهادئ.

في هذا السياق، تبرز فرضية تتجاوز سيناريو الغزو التقليدي لتايوان، لصالح نموذج أكثر تدرجًا يتمثل في “الحصار البحري”، وهو ما طرحه محللون عسكريون باعتباره خيارًا أقل كلفة من الغزو المباشر وأكثر قابلية لإرباك الاقتصاد العالمي عبر خنق سلاسل الإمداد.

وتعززت هذه القراءة مع مناورات صينية واسعة أواخر 2025 حملت اسم “مهمة العدالة”، والتي حاكت سيناريو تطويق الجزيرة وعزلها، عبر نشر عشرات السفن ومئات الطائرات وإطلاق صواريخ في تدريبات ركزت على استهداف الموانئ وقطع خطوط الإمداد. هذه التدريبات، بحسب مراقبين، تعكس تطورًا في العقيدة العسكرية الصينية باتجاه التركيز على “الإغلاق الاستراتيجي” بدل الاجتياح الشامل.

ويُنظر إلى عام 2027 بوصفه محطة مفصلية محتملة في حسابات الصراع، كونه يتزامن مع الذكرى المئوية لتأسيس جيش التحرير الشعبي الصيني، إضافة إلى ما يُعرف في الأدبيات العسكرية الأمريكية بـ“نافذة ديفيدسون”، التي تفترض أن بكين قد تصبح قادرة على خوض مواجهة عسكرية حاسمة بشأن تايوان في هذا التوقيت.

وتذهب تقديرات استخباراتية أمريكية حديثة إلى أن مسألة “إعادة التوحيد” بالنسبة لبكين ليست خيارًا سياسيًا مفتوحًا بقدر ما هي هدف استراتيجي طويل المدى، يرتبط بمشروع الرئيس الصيني شي جين بينغ لإعادة صياغة موقع الصين كقوة عظمى بحلول منتصف القرن.

على المستوى العسكري، واصلت الصين خلال العقد الأخير تقليص الفجوة مع القوى الكبرى عبر تحديث واسع لقواتها الجوية والنووية والصاروخية، بما في ذلك تطوير قاذفات استراتيجية وصواريخ عابرة للقارات، إلى جانب توسع كبير في قدراتها البحرية. ورغم أن التفوق البحري الأمريكي لا يزال قائمًا من حيث الجودة والخبرة، فإن بكين باتت تتفوق عدديًا في حجم الأسطول، مع توسع لافت في قدرات الغواصات وأنظمة الاستشعار تحت الماء.

وتشير تقارير غربية إلى أن الصين تعمل على بناء شبكة متقدمة من الرصد البحري في غرب المحيط الهادئ، توصف أحيانًا بأنها “سور الصين العظيم تحت الماء”، بهدف تعزيز قدرتها على مراقبة وتحجيم تحركات الغواصات الأمريكية في أي صراع محتمل.

في المحصلة، لا يبدو المشهد مجرد تراكم لتحركات عسكرية معزولة، بل إعادة تشكيل تدريجية لمعادلة الردع في المحيط الهادئ، حيث تتقاطع الحسابات العسكرية مع اعتبارات الاقتصاد العالمي، وتتحول تايوان من ملف إقليمي إلى عقدة استراتيجية في نظام دولي آخذ في التغير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى