فلوريس الإندونيسية.. جزيرة تمد الكنيسة الكاثوليكية بكهنة في ظل تراجع الدعوات الدينية بأوروبا

في وقت تواجه فيه معاهد إعداد الكهنة في مناطق واسعة من أوروبا تراجعا في أعداد المتقدمين، تبرز جزيرة فلوريس الإندونيسية مصدرا مهما لرفد الكنيسة الكاثوليكية برجال الدين، إذ يتخرج من معهد القديس بولس الكبير أعداد من طلاب الكهنوت تفوق ما تستقبله معظم المعاهد المماثلة حول العالم، ويتجه بعضهم لاحقا إلى خدمة الكنائس في مناطق تمتد من أفريقيا إلى أوروبا.
وتسلط مجلة «إيكونوميست» البريطانية الضوء على هذه المفارقة في تقرير ميداني من الجزيرة، التي تحولت إلى مركز لتكوين الكهنة في وقت تعاني فيه مؤسسات دينية أوروبية نقصا متزايدا في المتقدمين لهذا المسار.
ويصف التقرير معهد ليداليرو، المعروف باسم معهد القديس بولس الكبير، بأنه أقرب إلى جامعة صغيرة منه إلى مؤسسة دينية مغلقة. وتمتد الدراسة فيه نحو ثماني سنوات، يخصص الطلاب خلالها وقتا طويلا للفلسفة في المراحل الأولى، قبل الانتقال إلى العمل الرعوي ثم العودة لاستكمال دراستهم الدينية استعدادا للرسامة الكهنوتية.
انعكاس مسار التبشير
تكمن أهمية فلوريس، بحسب المجلة، في التحول الذي شهدته العلاقة بين أوروبا والمناطق التي انتشرت فيها الكاثوليكية عبر الإرساليات. فقد وصلت الكاثوليكية إلى الجزيرة مع البرتغاليين في القرن السادس عشر، ثم ترسخت بفضل الإرساليات الأوروبية، بينما أصبحت الجزيرة اليوم ترسل كهنة إلى القارة التي قدم منها المبشرون قبل قرون.
وكان البابا فرنسيس قد حذر عام 2024 من أن الدعوات إلى الكهنوت باتت «تكاد تنقرض» في بعض البلدان، بعدما أشار في عام 2022 إلى إحدى الجزر الإندونيسية بوصفها مثالا على وفرة الدعوات الدينية.
وبحسب بيانات أوردتها «إيكونوميست»، بلغ عدد طلاب المعاهد الكهنوتية في إندونيسيا نحو 4150 طالبا عام 2024، وكان عدد كبير منهم يدرس في معهد ليداليرو، في حين لم يتجاوز عدد طلاب الكهنوت في أيرلندا 104 طلاب.
وتتضح المفارقة أكثر عند النظر إلى المشهد العالمي؛ إذ تجاوز عدد الكاثوليك 1.4 مليار شخص، أي أكثر من ضعف عددهم عام 1970، بينما بقي عدد الكهنة قريبا من 400 ألف. وخلال العقود الخمسة الماضية، تراجعت أعداد المقبلين على الكهنوت في أوروبا وأمريكا الشمالية، بالتزامن مع انتشار العلمانية وتضرر صورة المؤسسة الكنسية جراء فضائح الاعتداءات الجنسية.
وفي المقابل، يأتي أكثر من 60% من طلاب الكهنوت حول العالم من آسيا وأفريقيا، ما يعكس التحول الجغرافي في مصادر إعداد رجال الدين داخل الكنيسة الكاثوليكية.
وتصف المجلة هذا التحول بأنه «إرساليات عكسية»، إذ يتجه كهنة من مناطق كانت في السابق وجهة للمبشرين الأوروبيين إلى أوروبا اليوم، للمساعدة في سد النقص في رجال الدين وخدمة المجتمعات التي تعاني تراجعا في أعدادهم.
جزيرة كاثوليكية في بلد ذي أغلبية مسلمة
تختلف فلوريس عن الصورة الدينية العامة لإندونيسيا، أكبر دولة ذات أغلبية مسلمة في العالم. ووفقا للتقرير، يبلغ عدد سكان الجزيرة نحو مليوني نسمة، يعتنق قرابة 85% منهم الكاثوليكية، وتنتشر فيها نحو 2700 كنيسة. أما المسلمون، فيشكلون أكثر من عُشر السكان، ويعود وجود بعض عائلاتهم إلى تجار وصلوا إلى الجزيرة منذ القرن الخامس عشر.
وترصد «إيكونوميست» تاريخا طويلا من العلاقات العائلية والتزاوج بين المسلمين والكاثوليك في فلوريس، وهي روابط ساعدت على تعزيز التعايش بين المكونات الدينية المختلفة، إلى جانب مبادئ «بانشاسيلا» التي يقوم عليها النظام السياسي الإندونيسي وتؤكد وحدة المجتمع رغم تنوعه الديني.
ويظهر هذا التداخل داخل بعض الأسر؛ إذ يروي أحد طلاب معهد ليداليرو أنه نشأ يصوم شهر رمضان مع والده المسلم، ويحضر قداس الأحد مع والدته الكاثوليكية، قبل أن يعمل لاحقا في التدريس داخل مدرسة إسلامية محلية.
التعليم والاستقرار وراء الإقبال على الكهنوت
لا يفسر التدين وحده استمرار تدفق الشبان إلى معاهد الكهنوت في فلوريس. فبحسب المجلة، أسست الإرساليات شبكة من المدارس والمعاهد التي تتمتع بسمعة تعليمية جيدة، وتوفر للطلاب دراسة الفلسفة واللاهوت إلى جانب لغات متعددة، من بينها اللاتينية والعربية والألمانية والإنجليزية.
وفي جزيرة ترتفع فيها معدلات الفقر، يتيح الالتحاق بهذه المؤسسات فرصة للحصول على التعليم والسفر وتحقيق قدر من الاستقرار المعيشي. وتدفع هذه العوامل بعض العائلات إلى إرسال أبنائها إلى المدارس التابعة للمؤسسات الدينية طلبا للعلم، حتى إن لم تكن تتوقع منهم أن يصبحوا كهنة في المستقبل.
لكن استمرار هذا الوضع الاستثنائي ليس مضمونا على المدى الطويل. وتنقل «إيكونوميست» عن بعض المسؤولين في معهد ليداليرو توقعهم أن تصل إلى فلوريس التحولات الاجتماعية التي شهدتها مجتمعات أخرى، مع اتساع خيارات الدراسة والعمل، وانتشار الأفكار العلمانية وتزايد الاهتمام بالحرية الفردية والاستقلال في اتخاذ القرارات.







