الحرب والتضخم يستنزفان مدخرات الأسر الإيرانية ويعمّقان أزمة المعيشة

تواجه الأسر الإيرانية ضغوطا معيشية متصاعدة مع استمرار الحرب مع الولايات المتحدة للشهر الثامن، في ظل الارتفاع الحاد لأسعار الغذاء والسكن وتراجع القدرة الشرائية. وأجبرت هذه التطورات ملايين المواطنين على خفض إنفاقهم على الاحتياجات الأساسية، بالتزامن مع تفاقم البطالة واستنزاف المدخرات.
وأظهرت بيانات رسمية نقلتها وسائل إعلام إيرانية ارتفاع أسعار المستهلكين بنحو 90% خلال سبتمبر/أيلول الماضي، مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، فيما تسارع معدل التضخم السنوي إلى 73.6%، في واحدة من أقوى موجات الغلاء التي شهدتها البلاد منذ عقود.
وسجلت أسعار الغذاء والمشروبات الارتفاع الأكبر، بعدما قفزت بنسبة 121.8% على أساس سنوي، الأمر الذي دفع العائلات إلى إعادة ترتيب أولوياتها المالية وتقليص الإنفاق على قطاعات مثل التعليم والرعاية الصحية وغيرها من المتطلبات الضرورية.
وتفاقمت الأزمة الاقتصادية عقب اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير/شباط الماضي، وما أعقبها من إغلاق مضيق هرمز وفرض حصار أمريكي على الموانئ الإيرانية. وأدت هذه التطورات إلى اضطراب صادرات النفط والتجارة الخارجية وتراجع الإيرادات الحكومية، فضلا عن الأعباء التي تفرضها العقوبات والمشكلات الاقتصادية المتراكمة.
الأجور تتآكل أمام تكاليف المعيشة
وتكشف التقديرات الرسمية عن اتساع الفجوة بين دخول المواطنين ونفقاتهم الأساسية، إذ تصل المصروفات الشهرية الضرورية لأسرة عاملة مكونة من ثلاثة أفراد إلى نحو 336 دولارا، في حين يبلغ متوسط الراتب الشهري قرابة 92 دولارا وفق سعر الصرف المتداول في السوق الحرة.
وبذلك تزيد تكاليف المعيشة على متوسط الأجور بأكثر من ثلاثة أضعاف، بينما لا تستطيع الزيادات التي تقرها الحكومة للرواتب مواكبة الارتفاع المتسارع في الأسعار.
وفي هذا السياق، قال موظف حكومي يبلغ 44 عاما ويقيم في مدينة أصفهان لوكالة رويترز، إن راتبه الشهري الذي يقل عن 100 دولار لا يغطي احتياجات أسرته لأكثر من عشرة أيام.
ودفعت هذه الظروف كثيرا من العائلات إلى استخدام مدخراتها أو اللجوء إلى الاقتراض لتأمين نفقاتها اليومية، فيما اضطرت أسر أخرى إلى ترك منازلها والانتقال للإقامة مع أقاربها لتخفيف الأعباء المالية.
وسجلت الإيجارات ارتفاعا بنسبة 32.8% خلال سبتمبر/أيلول الماضي على أساس سنوي، كما زادت نفقات السكن والمرافق والوقود بنحو 38%، وهو ما أضاف ضغوطا أخرى على ميزانيات الأسر.
وفي إقرار رسمي بحجم المعاناة، قدم وزير الاقتصاد الإيراني علي مدني زاده اعتذارا للمواطنين، الثلاثاء، على خلفية تصاعد الأعباء المعيشية، موضحا أن العمال والمتقاعدين وموظفي القطاع الحكومي هم الأكثر تضررا من موجة ارتفاع الأسعار.
البطالة تتفاقم مع تداعيات الحرب
ولم تقتصر آثار الحرب والتضخم على ارتفاع تكاليف المعيشة، بل امتدت إلى سوق العمل، إذ أدت زيادة تكاليف الإنتاج وتراجع الاستهلاك إلى دفع عدد من الشركات لتقليص أنشطتها والاستغناء عن بعض موظفيها.
وبحسب البيانات الرسمية، ارتفع معدل البطالة إلى 9.1% خلال فصل الربيع، بزيادة قدرها 1.8 نقطة مئوية مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي.
وفي الوقت نفسه، انخفض معدل المشاركة في القوى العاملة إلى 40.7%، بما يعكس تراجع نسبة السكان في سن العمل الذين لديهم وظائف أو يبحثون عن فرص عمل.
وتبدو الأزمة أكثر حدة بين فئة الشباب، إذ يقترب معدل البطالة لدى الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاما من 25%، في ظل تراجع فرص التوظيف ومحدودية قدرة الشركات على استيعاب الخريجين الجدد.
ونقلت رويترز عن شابة إيرانية من مدينة أورميه أنها لم تتمكن من الحصول على وظيفة منذ تخرجها، مشيرة إلى أن الشركات خفضت ميزانياتها وأوقفت عمليات التوظيف.
كما تجاوزت تداعيات الأزمة حدود سوق العمل داخل إيران، لتطال الطلاب الإيرانيين المقيمين في الخارج، بعدما اضطرت بعض الأسر، نتيجة الضغوط المالية، إلى وقف تمويل تعليم أبنائها.
العقوبات تزيد أعباء الشركات الإيرانية
وتواجه الشركات الإيرانية صعوبات متزايدة بسبب اضطراب حركة التجارة الخارجية، وتعثر الحصول على العملات الأجنبية والمواد الخام، إلى جانب ارتفاع تكاليف الاستيراد وتراجع القدرة الشرائية للمستهلكين.
وزادت هذه التحديات عقب إعلان واشنطن، في 24 أغسطس/آب الماضي، توسيع نطاق العقوبات ضمن عملية أطلقت عليها اسم «الإقصاء الاقتصادي»، بهدف تقليص قدرة طهران على تمويل الحرب.
وأدى تزامن العقوبات مع اضطرابات سلاسل الإمداد وضعف الطلب المحلي إلى تضييق فرص عمل الشركات الصغيرة وتجار التجزئة، الأمر الذي يعزز المخاوف من استمرار تسريح العاملين وتراجع النشاط الاقتصادي.
وفي المقابل، رفض محافظ البنك المركزي الإيراني عبد الناصر همتي، منتصف أكتوبر/تشرين الأول الجاري، الادعاءات الأمريكية بشأن انهيار الاقتصاد الإيراني، واصفا إياها بأنها «وهم».
وتجد السلطات الإيرانية نفسها أمام تحديات متزايدة لتوفير الواردات الأساسية والحفاظ على استمرارية الخدمات العامة، في وقت تتواصل فيه النفقات المرتبطة بالحرب وتتراجع الموارد المالية المتاحة.
وتثير الأوضاع المعيشية المتدهورة مخاوف من عودة الاضطرابات الاجتماعية، خصوصا أن إيران شهدت في فترات سابقة احتجاجات على خلفية تراجع الظروف الاقتصادية وارتفاع تكاليف الحياة.







