ثقافة وأدب وفن

العربية في كابل.. معهد الحجاز يحافظ على حضور لغة القرآن بين الطلاب الأفغان

في قلب العاصمة الأفغانية كابل، تتحول اللغة العربية من نصوص مكتوبة في الكتب إلى لغة يتعلمها الطلاب داخل قاعات معهد الحجاز، حيث يقبل عليها شبان من مناطق مختلفة بدوافع تجمع بين الرغبة في فهم القرآن والعلوم الشرعية، والتعرف على الثقافة العربية وتراثها الفكري.

ويأتي طلاب المعهد من ولايات أفغانية متعددة، حاملين أهدافا مختلفة، إلا أن القاسم المشترك بينهم يتمثل في إدراكهم لأهمية العربية في مسارهم التعليمي والديني.

العربية.. لغة الدين والقرآن

يقول الطالب محمد عيسى، القادم من ولاية قندوز، إنه اختار دراسة العربية في معهد الحجاز لما يتمتع به من مكانة مميزة في مجال تعليم اللغة، مشيدا بمستوى الأساتذة والبيئة التعليمية التي يوفرها المعهد.

ويرى عيسى أن إتقان العربية يمثل بالنسبة إليه أكثر من مجرد اكتساب مهارة لغوية، فهي في نظره لغة دينه وقرآنه، وهو ما يدفعه إلى مواصلة دراستها والحرص على التحدث بها واستخدامها في حياته التعليمية.

كما ينظر الطالب الأفغاني إلى العربية من زاوية حضارية وثقافية، معتبرا إياها مفتاحا لفهم جانب واسع من الثقافة الإسلامية والعربية، وبوابة للاطلاع على إنتاج فكري ومعرفي تراكم على مدى قرون.

ويعتقد عيسى أن ارتباط العربية بالقرآن يمنحها مكانة خاصة ويضمن استمرار حضورها، مستشهدا بالآية القرآنية: «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون».

طلاب يأتون من مختلف الولايات

ومن ولاية لغمان، قدم الطالب ريحان الله إلى كابل للالتحاق بمعهد الحجاز ودراسة اللغة العربية، وقد أمضى فيه نحو ستة أشهر اكتسب خلالها أساسيات متعددة في النحو والحوار والمفردات والكتابة.

ويصف ريحان الله المعهد بأنه بيئة تعليمية مميزة، مشيدا بالأساتذة الذين يصفهم بالمهارة والإخلاص، وبالطلاب الذين يحرصون على الاجتهاد والتقدم في دراستهم.

وترتبط رغبته في تعلم العربية أيضا بدورها في دراسة العلوم الدينية، إذ يوضح أن عددا من الكتب التي يعتمد عليها في دراسته مكتوب باللغة العربية، الأمر الذي يجعل إتقانها ضروريا لفهم المواد العلمية والدينية بصورة أفضل.

وخلال فترة دراسته، تعلم ريحان الله قواعد النحو والصرف والإملاء، إلى جانب توسيع حصيلته من المفردات، ويخطط لمواصلة البرنامج التعليمي حتى إكماله خلال عام.

معهد الحجاز.. نحو عقدين من تعليم العربية

ويقول الأستاذ عبد المالك، أحد مدرسي معهد الحجاز، إن المؤسسة بدأت نشاطها قبل نحو 20 عاما، وتمكنت خلال هذه الفترة من تخريج مئات الطلاب، مستفيدة من وجود هيئة تدريس مؤهلة في مجال اللغة العربية.

ويشير إلى أن خصوصية المعهد ترتبط، إلى جانب المناهج التعليمية، بمستوى المدرسين الذين يحملون مؤهلات علمية متقدمة في مجال اللغة العربية، مؤكدا استمرار المؤسسة في أداء دورها في تعليم اللغة وخدمتها داخل أفغانستان.

ويحرص المعهد في نهاية البرامج الدراسية على إقامة مراسم لتكريم الطلاب الذين أتموا تعليمهم، وتسليمهم شهادات التخرج، في إطار تشجيعهم على مواصلة مسيرتهم العلمية.

العربية حاضرة في الحياة اليومية للمعهد

ولا تقتصر دراسة العربية داخل المعهد على الحصص الدراسية، إذ تحضر اللغة في تفاصيل الحياة اليومية للطلاب، من الكتب التي يحملونها بين القاعات والممرات إلى العبارات التعليمية والدينية التي تزين جدران المؤسسة.

وتحمل إحدى اللافتات داخل المعهد عبارة «العربية لغة الفخر والاعتزاز»، في تعبير عن المكانة التي تحظى بها اللغة لدى الطلاب والمدرسين.

وفي القاعات، يتنقل الطلاب بين دروس القواعد والقراءة والكتابة والمفردات، بينما يعمل المدرسون على تقديم النصوص وشرحها ومساعدة الطلاب على فهمها واستخدام اللغة بصورة عملية.

الدافع الديني لدى المدرسين

ويقول الأستاذ محمد ريحان، الذي يدرس اللغة العربية في المعهد منذ نحو ثلاث سنوات، إنه يؤدي مهمته التعليمية باعتزاز، نظرا إلى المكانة التي تحظى بها العربية بالنسبة إليه.

ويربط ريحان اختياره تدريس اللغة بمكانتها بوصفها لغة القرآن والنبي محمد صلى الله عليه وسلم، مؤكدا أن هذا البعد الديني كان من الأسباب الرئيسية التي دفعته إلى تعليمها.

ويشير إلى أن المعهد يواصل خدمة اللغة العربية منذ سنوات، ويستقبل طلابا قادمين من مناطق مختلفة في أفغانستان، مقدرا عدد المستفيدين من برامجه التعليمية بآلاف الطلاب على مدى سنوات نشاطه.

وبحسب ريحان، واصل عدد من خريجي المعهد مسيرتهم التعليمية في المعاهد والمدارس الدينية، بينما اتجه آخرون إلى مؤسسات تعليمية عصرية، مستفيدين من المهارات اللغوية التي اكتسبوها خلال فترة الدراسة.

حضور متجدد للغة العربية

وتكشف تجربة معهد الحجاز عن حضور مستمر للغة العربية في أوساط شريحة من الطلاب الأفغان، خصوصا أولئك الذين ترتبط مساراتهم التعليمية بدراسة العلوم الدينية.

ويجد هؤلاء في تعلم العربية وسيلة لفهم النصوص الدينية ومصادر المعرفة بصورة أعمق، في حين ينظر إليها آخرون باعتبارها جسرا نحو الثقافة العربية والإسلامية وتراثها العلمي والفكري.

وفي قاعات المعهد، يجلس طلاب من أعمار مختلفة أمام كتبهم، ويتابعون دروس المدرسين التي تتناول القواعد والمفردات والقراءة والكتابة، في بيئة تجمع بين الدراسة النظرية والتطبيق العملي.

وبينما تتغير أعمار الطلاب وخلفياتهم ومناطقهم، تبقى العربية محور رحلة تعليمية تجمعهم داخل معهد الحجاز في كابل، حيث تستمر اللغة في الانتقال من صفحات الكتب إلى الممارسة اليومية، محافظة على حضورها في مسار التعليم الديني والثقافي لدى طلاب قدموا من أنحاء مختلفة من أفغانستان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى