بعلبك في مرمى الرواية الإسرائيلية.. مخاوف لبنانية من تحويل الموقع الأثري إلى هدف عسكري

لا تدور المخاوف الراهنة حول جبهة عسكرية تقليدية، وإنما حول أحد أقدم وأهم المواقع الأثرية في لبنان. فقد دخلت هياكل بعلبك، التي تمثل أحد أبرز الشواهد على الحضارة الرومانية في الشرق، خلال الأيام الأخيرة في قلب رواية إسرائيلية تزعم وجود أنفاق ومنشآت عسكرية أسفل الموقع الأثري.
وترافقت هذه المزاعم مع خرائط وصور جرى تداولها عبر وسائل إعلام وحسابات إسرائيلية، الأمر الذي أثار قلقا واسعا في لبنان من احتمال استخدام هذه الرواية كغطاء إعلامي وسياسي لشن هجوم على المدينة التاريخية، كما حدث في مواقع مدنية أخرى خلال الحرب تحت ذريعة وجود أهداف عسكرية فيها.
ولا تقتصر أهمية بعلبك على قيمتها التاريخية بالنسبة إلى لبنان، إذ أدرجتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» على قائمة التراث العالمي عام 1984، باعتبارها من أهم المواقع التي تجسد الإرث الروماني في المنطقة.
مزاعم إسرائيلية ونفي لبناني
رفض الاتحاد اللبناني للنقابات السياحية الادعاءات الإسرائيلية، معتبرا أنها تمثل محاولة لصناعة مبررات يمكن استخدامها لاستهداف بعلبك.
ودعا الاتحاد وزارتي السياحة والثقافة إلى التحرك بصورة عاجلة لدى اليونسكو والمنظمات الدولية المعنية بحماية التراث، بهدف منع انتقال هذه المزاعم من الفضاء الإعلامي إلى تحرك عسكري على الأرض.
وفي المقابل، تداولت وسائل إعلام إسرائيلية وناشطون خرائط قالوا إنها تظهر بنية تحتية عسكرية أسفل القلعة والمناطق المحيطة بها. إلا أن السلطات اللبنانية نفت وجود أي معلومات رسمية تثبت صحة هذه الادعاءات.
كما لم تصدر اليونسكو أو أي جهة دولية متخصصة في حماية التراث ما يؤكد الرواية المتعلقة بوجود منشآت عسكرية أسفل الموقع الأثري.
خبير آثار: لا أساس علميا للحديث عن أنفاق عسكرية
يرفض المؤرخ والباحث في الآثار الدكتور محمد شرف الرواية الإسرائيلية، ويصفها بأنها ادعاءات تفتقر إلى الأساس العلمي والأثري.
وأوضح شرف أن الموقع يحتوي على نفق أثري واحد معروف وموثق، يمتد أسفل الباحة الكبرى في مسار يشبه حرف «U»، مشيرا إلى أن هذا النفق جزء أصيل من التصميم الهندسي للمجمع الروماني وليس منشأة عسكرية حديثة.
وبحسب الباحث، فإن طبيعة الهياكل الرومانية الضخمة فوق النفق تجعل إنشاء نفق جديد أسفلها أمرا بالغ الصعوبة من الناحية الإنشائية، نظرا إلى أن النفق المعروف كان جزءا من الأساسات التي تحمل أوزان الأبنية والمعابد المقامة فوقه.
وأضاف أن النفق شُيد قبل إقامة الهياكل الرومانية، وصُمم بطريقة مقوسة تسمح له بتحمل الأحمال الهائلة التي تعلوه، الأمر الذي يجعل حفر منشأة أخرى أسفله غير واقعي هندسيا.
ويطرح شرف تساؤلا بشأن المسار الذي يمكن أن يتخذه أي نفق إضافي مزعوم، معتبرا أن طبيعة الموقع نفسها تجعل هذه الرواية موضع شك كبير.
مجمع ديني روماني عمره نحو ألفي عام
ويشير شرف إلى أن ما يعرف حاليا باسم قلعة بعلبك ليس قلعة عسكرية بالمعنى التقليدي، وإنما مجمع ديني روماني هائل شُيد لتكريم الآلهة، وكان جزءا من مدينة هليوبوليس، أي «مدينة الشمس».
ويضم الموقع معبد جوبيتر، الذي يعد من أكبر المعابد التي شيدتها الإمبراطورية الرومانية، إضافة إلى معبدي باخوس وفينوس، ما يمنحه قيمة استثنائية في تاريخ العمارة والحضارة القديمة.
ورغم تعرض الأحياء المحيطة بالموقع، ولا سيما حي المنشية، لأضرار كبيرة خلال العقود الماضية، فإن المنطقة الأثرية الرئيسية ظلت بعيدة عن الاستهداف المباشر.
ومع ذلك، لا يستبعد الباحث احتمال تعرض بعض الهياكل لتأثيرات غير مباشرة نتيجة موجات الانفجار والاهتزازات، خاصة أن الأبنية الأثرية قائمة منذ نحو ألفي عام، رغم أعمال الترميم والتدعيم التي خضعت لها خلال القرن الماضي.
وفي ما يتعلق بإمكانية تحول الادعاءات الإسرائيلية إلى ذريعة لاستهداف الموقع، يستبعد شرف هذا السيناريو، لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن أحدا لا يستطيع ضمان ما قد تفعله إسرائيل على أرض الواقع.
حماية دولية للموقع الأثري
ولا تقتصر أهمية بعلبك على قيمتها الحضارية، إذ تتمتع أيضا بحماية بموجب مجموعة من القواعد والاتفاقيات الدولية المتعلقة بحماية الممتلكات الثقافية خلال النزاعات المسلحة.
ويرى الدكتور في القانون الدولي محمد مشيك أن إدراج بعلبك على قائمة التراث العالمي يمنحها مستوى مرتفعا من الحماية، ويضع على عاتق المجتمع الدولي مسؤوليات قانونية وأخلاقية تجاه الحفاظ عليها.
وأوضح أن اتفاقية اليونسكو لعام 1972 تلزم الدول الأعضاء بالمساهمة في حماية المواقع المسجلة على قائمة التراث العالمي، باعتبارها جزءا من التراث الإنساني المشترك.
كما تشمل الحماية اتفاقية لاهاي لعام 1954 المتعلقة بحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة، إلى جانب البروتوكول الثاني الملحق بها لعام 1999، الذي عزز الضمانات الخاصة بالمواقع ذات القيمة الثقافية الاستثنائية.
استهداف بعلبك قد يثير مسؤولية جنائية دولية
وأشار مشيك كذلك إلى أن البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977 يحظر استهداف الآثار التاريخية والأعمال الفنية وأماكن العبادة التي تمثل التراث الثقافي للشعوب.
كما يتضمن نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية أحكاما تدرج تعمد مهاجمة بعض المواقع الأثرية والثقافية، في ظروف محددة، ضمن جرائم الحرب.
وبناء على ذلك، يرى الخبير القانوني أن أي هجوم مباشر ومتعمد على قلعة بعلبك، إذا توافرت فيه العناصر القانونية اللازمة، قد يرقى إلى جريمة حرب، بما قد يفتح المجال أمام مساءلة المسؤولين عنها أمام القضاء الدولي.
وهكذا، تحولت المزاعم المتعلقة بوجود أنفاق عسكرية أسفل بعلبك إلى مصدر قلق يتجاوز الجدل الأثري، في ظل مخاوف لبنانية من أن تصبح الرواية الإعلامية مقدمة لتحرك عسكري يهدد موقعا تاريخيا مدرجا ضمن التراث العالمي.







