كيف يكتب السيناريو؟ رحلة في دهاليز الكلاسيكيات وفن الحكاية السينمائية

للكتب والفنون والإبداع الأدبي أرواح مختلفة؛ بعضها لا يتجاوز اللقاء الأول، بينما يتحول بعضها الآخر إلى رفيق دائم، كلما عدنا إليه اكتشفنا فيه معنى جديدا أو فتح لنا طريقا إلى أعمال أخرى. ومن هذا النوع يأتي كتاب «كيف تتم كتابة السيناريو» للمؤلفة إنجا كاريتنيكوفا، الذي يتجاوز كونه دليلا تقنيا لكتابة السيناريو ليصبح مدخلا واسعا إلى عالم السينما الكلاسيكية.
فالكتاب الجيد لا ينتهي بمجرد إغلاق صفحته الأخيرة، وإنما يترك وراءه أسئلة وفضولا وقائمة جديدة من الكتب والأفلام التي تستحق الاكتشاف. والفيلم العظيم يفعل الشيء نفسه؛ إذ يدفع المشاهد إلى البحث عن أعمال أخرى للمخرج أو الكاتب أو الممثل، وكأن العمل الفني يفتح متاهة لا يكون الوصول إلى نهايتها هو الغاية منها.
ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى كتاب كاريتنيكوفا باعتباره نافذة مفتوحة على تاريخ السينما، إذ تتناول المؤلفة عناصر أساسية في بناء السيناريو من خلال تحليل مجموعة من الأفلام التي أصبحت علامات بارزة في تاريخ الفن السابع.
السيناريو بوصفه عملا أدبيا
تنطلق المؤلفة من فكرة أساسية مفادها أن بناء الفيلم يبدأ مع كاتب السيناريو، فهو أول من يتخيل العالم الذي ستتحرك فيه الشخصيات والأحداث، ويضع الهيكل الذي سيبني عليه المخرج والممثلون وبقية فريق العمل الفيلم.
ولا تتعامل كاريتنيكوفا مع السيناريو باعتباره مجرد وثيقة فنية داخل عملية الإنتاج، بل تنظر إليه أيضا كنص يمكن قراءته والاستمتاع به، حتى لو لم يكن القارئ سينمائيا متخصصا.
وتتضح هذه الرؤية من خلال تحليلها ثمانية سيناريوهات كلاسيكية، خصصت لكل واحد منها مساحة لدراسة عنصر محدد من عناصر الكتابة السينمائية.
وتبدأ الرحلة مع الفيلم الألماني «نوسفيراتو، سيمفونية الرعب» الذي أُنتج عام 1922، وكتب السيناريو له هنريك جالين وأخرجه فريدريك ميرناو، بوصفه نموذجا لبداية كتابة السيناريو.
ثم تنتقل إلى فيلم «الطريق» عام 1954، الذي كتبه فيديريكو فيلليني وتوليو بينيللي وإنيو فلايانو وأخرجه فيلليني، لدراسة تكوين السيناريو وبنيته.
أما فيلم «الخادم» المنتج عام 1963، من كتابة هارولد بنتر وإخراج جوزيف لوزي، فيقدم نموذجا للبداية والذروة والحل، بينما يصبح تطور شخصية مايكل كورليوني في «الأب الروحي» عام 1972، الذي كتبه ماريو بوزو وفرانسيس فورد كوبولا وأخرجه كوبولا، نموذجا بارزا في دراسة بناء الشخصية وتحولاتها.
وفي مجال التشويق، تستعين المؤلفة بفيلم «سيئة السمعة» الذي ظهر عام 1946، وشارك في كتابة سيناريوه بن هيخت وألفريد هيتشكوك وأخرجه هيتشكوك.
كما تستعرض فيلم «راشومون» عام 1950، الذي كتبه أكيرا كوروساوا وشينوبو هاشيموتو وأخرجه كوروساوا، باعتباره نموذجا لتحويل العمل الأدبي إلى لغة سينمائية مرتبطة بالمكان والزمان.
وتتوقف أيضا أمام «فيريديانا» عام 1961، من سيناريو لويس بونويل وخوليو أليخاندرو وإخراج بونويل، لدراسة التفاصيل والأفكار والرؤية الإخراجية، بينما يصبح فيلم «سارقو الدراجات» عام 1948، من كتابة سيزار زافاتيني وفيتوريو دي سيكا وإخراج دي سيكا، نموذجا لفن الحوار السينمائي.
ويضيف الكتاب في فصله التاسع، المعنون «السيناريو السينمائي كنموذج للأدب»، ملخصا لرواية «قبلة المرأة العنكبوت» للكاتب الأرجنتيني مانويل بويغ، وهي الرواية التي تحولت إلى فيلم أخرجه هيكتور بابينكو عام 1985.
من السيناريو الارتجالي إلى النص الخلاق
لم يكن السيناريو يحتل دائما المكانة التي يحظى بها اليوم في صناعة الأفلام. ففي بدايات السينما الصامتة، ولا سيما في الولايات المتحدة، كان السيناريو يوضع في مرتبة متأخرة مقارنة بالتصوير والمونتاج، وكانت بعض الأفلام تُنجز بالاعتماد على الارتجال أو مجموعة من الملاحظات الأولية بدلا من نص متكامل.
لكن التجربة الروسية والألمانية قدمت رؤية مختلفة تماما، إذ تعامل صناع السينما هناك مع كتابة السيناريو باعتبارها عملا إبداعيا قائما بذاته، وأسهموا في ترسيخ فكرة أن السيناريو يمكن أن يكون نوعا أدبيا مستقلا.
وكان المخرج الروسي سيرغي آيزنشتاين من أبرز المدافعين عن هذه النظرة، حتى إنه شبّه السيناريو بالشعر، في إشارة إلى قدرته على بناء الصورة والإيقاع والمعنى قبل انتقالها إلى الشاشة.
وفي ألمانيا، أصبح كتاب السيناريو المتخصصون شركاء حقيقيين في صناعة الفيلم، وليسوا مجرد منفذين لتصورات المخرج. وتذكر كاريتنيكوفا أن فيلم «عيادة الدكتور كاليجاري» الذي ظهر عام 1919 كان ينسب في تلك الفترة إلى كاتبيه كارل ماير وهانز يانوفيتش أكثر مما كان ينسب إلى مخرجه روبرت فينه.
وتكشف المؤلفة أن ماير كان يستطيع كتابة المشهد خلال أيام، لكنه قد يحتاج إلى عام كامل لإنجاز السيناريو، وهو ما يوضح حجم العمل الذهني الذي كان يضعه في بناء النص.
وتأثر هنريك جالين، كاتب سيناريو «نوسفيراتو»، بهذه المدرسة، فقدم عملا جمع بين البناء السينمائي والقيمة الأدبية، وهو ما جعل السيناريو جزءا أساسيا من الهوية الفنية للفيلم.
ومن هنا يمكن فهم موقف كوروساوا الذي رأى أن المخرج مهما امتلك من مهارات لا يستطيع إنتاج فيلم جيد اعتمادا على سيناريو ضعيف.
المشهد الأول وبداية الحكاية
بالنسبة إلى المشاهد، تبدأ قصة الفيلم عندما يظهر المشهد الأول على الشاشة، لكن كاتب السيناريو يعرف أن الشخصيات وصلت إلى هذه اللحظة بعد تاريخ كامل من الأحداث والتجارب.
وهنا تكمن إحدى مهام الكاتب الأساسية: اختيار اللحظة التي ينبغي عندها أن تبدأ الحكاية أمام الجمهور.
فليس مطلوبا من السيناريو أن يروي كل ما حدث للشخصيات قبل بداية الفيلم، وإنما عليه أن يختار نقطة الدخول الأكثر قدرة على إثارة الفضول، ثم يكشف المعلومات السابقة تدريجيا بالقدر الذي يخدم البناء الدرامي.
وهذا الاختيار هو أحد الفروق الجوهرية بين سرد الأحداث وبين صناعة الدراما، لأن الجمهور لا يحتاج إلى معرفة كل شيء منذ البداية، بل يحتاج إلى معرفة ما يكفي للاستمرار في المشاهدة والرغبة في اكتشاف المزيد.
الحوار ليس بديلا عن الصورة
تضع كاريتنيكوفا موضوع الحوار في نهاية الكتاب، وهو اختيار يبدو مقصودا، لأن فهم وظيفة الحوار يحتاج إلى إدراك بقية عناصر اللغة السينمائية أولا.
وتوضح المؤلفة أن الحوار السينمائي، مثل المونتاج والإضاءة والتمثيل، لا يقدم الواقع كما هو، وإنما يصنع وهما مقنعا بالواقع.
ولهذا فإن الحوار الجيد لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لشرح كل شيء للمشاهد أو تعويض نقاط الضعف في البناء الدرامي.
فالسيناريو الذي يعتمد على الحوار لإخبار الجمهور بما يمكن للصورة أن تعرضه يفقد جزءا أساسيا من قوته السينمائية.
وتعود هنا القاعدة المعروفة في الفنون المرئية: «أرِ ولا تخبر»، أي دع الصورة والفعل والتعبير وحركة الشخصيات تحمل المعنى بدلا من تحويل الفيلم إلى سلسلة من الجمل التفسيرية.
ومن هذه الزاوية، يصبح الحوار عنصرا ضمن منظومة أكبر، وليس مركز الفيلم الوحيد.
حتى الصمت يمكن أن يكون حوارا
تصل المؤلفة في حديثها عن الحوار إلى فكرة أكثر أهمية، وهي أن الصمت نفسه يمكن أن يؤدي وظيفة الحوار.
فكاتب السيناريو لا ينبغي أن يسأل فقط: ماذا أكتب؟ وكيف أكتب؟ بل عليه أن يسأل أيضا: هل يجب أن أكتب هنا أصلا؟
وهذا السؤال مهم لأن بعض المعلومات يمكن نقلها بنظرة أو حركة أو موقف أو قطع مونتاجي، بينما قد يؤدي التعبير عنها بالكلمات إلى إضعاف تأثيرها.
ويصبح حذف الحوار أحيانا أكثر قوة من كتابته، خصوصا عندما تكون الصورة قادرة على حمل المعنى بمفردها.
ومن هنا تأتي أهمية أن يسأل الكاتب نفسه قبل كل جملة حوارية عما إذا كانت هناك وسيلة بصرية أو درامية لتقديم المعلومة بدلا من التصريح بها.
أزمة السيناريو الذي يتحول إلى كلام
تبدو هذه القاعدة شديدة الصلة ببعض تجارب السينما العربية، وخصوصا الأعمال التي يصبح الحوار فيها بديلا عن البناء البصري والدرامي.
فعندما يعتمد الفيلم على جمل طويلة لشرح الشخصيات والأفكار والأحداث، تتحول الشاشة تدريجيا إلى مساحة لعرض الكلام بدلا من كونها وسيطا بصريا للحكاية.
وفي بعض التجارب المصرية، ظهر كتاب حوار امتلكوا قدرة استثنائية على صياغة الجملة، حتى أصبحت بعض الأفلام قابلة للاستماع أكثر من المشاهدة. وفي هذه الحالة، قد يصبح الحوار نقطة قوة مستقلة، لكنه في الوقت نفسه يكشف مشكلة إذا لم يكن مدعوما بالفعل والصورة وبناء الشخصية.
وتبرز هنا تجربة الكاتب المصري وحيد حامد، الذي استطاع في أعمال عديدة أن يمنح الحوار وظيفة تتجاوز نقل المعلومات، ليصبح أداة لبناء الشخصية وكشف الصراع الاجتماعي والسياسي وتحريك الأحداث.
غير أن قوة الحوار لدى كاتب موهوب لا تلغي القاعدة الأساسية التي يطرحها كتاب كاريتنيكوفا: السينما فن الصورة قبل أن تكون فن الكلام.
ولهذا فإن قيمة «كيف تتم كتابة السيناريو» لا تكمن فقط في تقديم مجموعة من القواعد التقنية، بل في الطريقة التي يعيد بها الكتاب توجيه القارئ نحو الأفلام نفسها. فالكتاب يقود إلى «نوسفيراتو» و«الطريق» و«الخادم» و«الأب الروحي» و«سيئة السمعة» و«راشومون» و«فيريديانا» و«سارقو الدراجات»، ثم يترك القارئ أمام سؤال أوسع: كيف يمكن للحكاية المكتوبة أن تتحول إلى صورة وحركة وصمت وإيقاع؟
وهنا تحديدا تتجاوز قيمة الكتاب حدود تعليم كتابة السيناريو، ليصبح كتابا عن طبيعة السينما نفسها، وعن المسافة الدقيقة بين ما تقوله الشخصيات وما تتركه الصورة للمشاهد كي يكتشفه بنفسه.







