الاقتصاد

رئيس بنك روسي: التخلي عن الدولار وحده لا يحقق الاستقلال المالي

أكد بيوتر فرادكوف، رئيس مجلس إدارة بنك «بي إس بي» الروسي، أن تقليص الاعتماد على الدولار في المدفوعات الدولية لا يكفي وحده لتحقيق الاستقلال عن المنظومة المالية العالمية، مشيرا إلى أن الانتقال إلى عملات أخرى قد يبقي الدول مرتبطة بالبنية التحتية المالية الخارجية التي تتحكم في التحويلات والسيولة.

وأوضح فرادكوف، في مقابلة صحفية، أن روسيا تعمل على توسيع استخدام العملات الوطنية في تجارتها الخارجية، لكن هذا التوجه لن يحل المشكلة بالكامل إذا ظلت عمليات الدفع تعتمد على مؤسسات وبنى تحتية تقع خارج نطاق السيطرة الوطنية.

العملة ليست المشكلة الوحيدة

يرى فرادكوف أن النقاش حول تقليص استخدام الدولار يجب ألا يقتصر على العملة التي تتم بها المعاملة، وإنما ينبغي أن يشمل البنية التحتية التي تمر من خلالها المدفوعات.

فحتى عندما تستخدم دولتان عملتيهما الوطنيتين، قد تظل العملية مرتبطة بمؤسسات مالية خارجية أو أنظمة دفع دولية تتحكم في حركة الأموال والسيولة.

وبالتالي، فإن تحقيق قدر أكبر من الاستقلال المالي يتطلب تطوير أدوات وبنى تحتية قادرة على معالجة المدفوعات العابرة للحدود دون الاعتماد الكامل على منظومات خارجية.

العملات المستقرة ليست حلا نهائيا

وحذر فرادكوف أيضا من النظر إلى العملات المستقرة باعتبارها الحل النهائي لمشكلات المدفوعات الدولية، رغم النمو السريع الذي شهدته هذه الأصول خلال السنوات الأخيرة.

وأشار إلى أن حجم العمليات المرتبطة بالعملات المستقرة بلغ نحو 33 تريليون دولار خلال عام 2025، بزيادة قدرها 72% على أساس سنوي، مقابل نحو 16.7 تريليون دولار لعمليات «فيزا» و10.6 تريليونات دولار لعمليات «ماستركارد» خلال الفترة نفسها.

ويرى رئيس البنك الروسي أن هذه الأرقام تعكس التوسع السريع في استخدام العملات المستقرة، لكنه يعتبرها في الوقت ذاته أداة للتكيف مع التحولات الجارية أكثر من كونها نظاما ماليا مستقلا ومتكاملا.

ارتباط العملات المستقرة بالدولار

أحد أبرز التحفظات التي يطرحها فرادكوف يتعلق بارتباط العملات المستقرة بالدولار.

وبحسب تقديراته، فإن نحو 98% من قيمة العملات المستقرة مرتبطة بالدولار، ما يعني أن استخدامها لا يؤدي بالضرورة إلى التخلص من الارتباط بالعملة الأميركية.

صحيح أن هذه الأصول تتيح نقل القيمة بسرعة وسهولة، إلا أن ارتباط الجزء الأكبر منها بالدولار قد يبقي شكلا من أشكال الاعتماد على النظام المالي الأميركي.

ولهذا السبب، يتوقع فرادكوف أن يتطور قطاع الأصول الرقمية مستقبلا نحو أدوات أكثر تنوعا، من بينها السندات الرقمية والحلول القائمة على ترميز الأصول ووسائل جديدة لنقل القيمة.

نظام مالي عالمي متعدد المراكز

يعتقد فرادكوف أن النظام المالي العالمي يتجه تدريجيا نحو ظهور مجموعة من الأنظمة الوطنية والإقليمية وبين الإقليمية التي ستتنافس فيما بينها.

ويشبه هذا التطور، وفقا لرؤيته، المنافسة الموجودة حاليا بين البنوك وشبكات الدفع والمنصات التكنولوجية، حيث تسعى كل دولة أو مجموعة دول إلى امتلاك أدوات تمكنها من إدارة عملياتها المالية والتجارية بصورة أكبر.

ويستشهد في هذا السياق بالتوسع في مشاريع العملات الرقمية للبنوك المركزية، مشيرا إلى ارتفاع عدد الدول التي تدرس أو تطور هذه العملات من 35 دولة في مايو/أيار 2020 إلى 146 دولة حاليا.

كما أشار إلى تطور نظام CIPS الصيني، وإلى جهود دول مثل إندونيسيا والبرازيل لتطوير سياسات وأدوات أكثر استقلالا في مجال التجارة والمدفوعات الدولية.

منافسة حول البنية التحتية المالية

ويرى فرادكوف أن نظام سويفت، الذي يربط عددا كبيرا من المؤسسات المالية حول العالم، لم يعد بمنأى عن الاعتبارات السياسية، وهو ما يدفع بعض الدول إلى البحث عن أنظمة دفع بديلة.

والهدف من هذه الأنظمة لا يقتصر على تسهيل التجارة الثنائية، بل يمتد إلى منح الدول قدرة أكبر على إدارة عملياتها المالية مع شركاء من دول ثالثة.

ومن هذا المنطلق، فإن القضية الأساسية لا تتعلق فقط بالتكنولوجيا المستخدمة في عملية الدفع، وإنما بالجهة التي تسيطر على البنية التحتية التي تمر عبرها الأموال.

وهذا التحول قد يفتح المجال أمام منافسة جديدة بين أنظمة الدفع التقليدية والحلول القائمة على الأصول الرقمية والعملات المستقرة وغيرها من الأدوات المالية الحديثة.

روسيا تبحث عن بدائل محلية

ويعتبر فرادكوف أن تطوير أدوات مالية رقمية محلية وبنية تحتية وطنية للمدفوعات يمثل أولوية بالنسبة لروسيا، مشيرا إلى أن دولا أخرى تتحرك في الاتجاه نفسه.

ومن بين الدول التي ذكرها إندونيسيا والبرازيل واليابان وتركيا وكازاخستان، حيث تبحث هذه الدول أو تطور أدوات مرتبطة بعملاتها الوطنية أو أصولها المحلية بهدف استخدامها في عمليات الدفع الدولية.

ويعتقد أن وجود بدائل يمكن أن يجمع بين النظام المصرفي التقليدي والأدوات المالية الحديثة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على المبادئ الأساسية للعمل المصرفي.

أفريقيا سوق واعدة للمدفوعات البديلة

ويرى فرادكوف أن القارة الأفريقية تمثل سوقا كبيرة يمكن أن تستفيد من حلول الدفع البديلة، خصوصا مع التوقعات بارتفاع عدد سكانها إلى نحو 2.5 مليار نسمة بحلول عام 2050.

كما أن عددا من الدول الأفريقية لا يزال يعاني من محدودية البنية المصرفية، ما يفتح المجال أمام حلول مالية جديدة يمكن أن تسهل التجارة والمدفوعات العابرة للحدود.

ويؤكد فرادكوف أن الهدف من تطوير هذه الأدوات ليس الالتفاف على القيود المالية، وإنما إنشاء سوق جديدة تلبي احتياجات حقيقية، معتبرا أن السيادة المالية والتكنولوجية أصبحتا جزءا مهما من قدرة الدول على حماية مصالحها الاقتصادية.

المدفوعات أصبحت جزءا من المنافسة التجارية

يشير فرادكوف إلى أن المنافسة الاقتصادية بين الدول لم تعد تتركز فقط على أسعار السلع أو شروط تمويل الصادرات، وإنما أصبحت تشمل القدرة على توفير آليات دفع موثوقة وسريعة ومستقلة.

ففي السابق، كانت الدول تتنافس من خلال تقديم قروض بفوائد أقل، أو منح آجال سداد أطول، أو توفير ضمانات وتأمينات ضد المخاطر للمصدرين.

أما اليوم، فقد أصبحت إمكانية تنفيذ عملية الدفع نفسها عاملا أساسيا في نجاح أي صفقة تجارية دولية.

ويعني ذلك أن السؤال لم يعد: بأي عملة سندفع؟ بل أصبح أيضا: من يسيطر على النظام الذي ينفذ عملية الدفع؟

تكلفة التحويلات تدفع نحو بدائل جديدة

ويؤكد فرادكوف أن أنظمة الدفع التقليدية تواجه أيضا تحديات مرتبطة بالسرعة والتكلفة، إذ قد تستغرق التحويلات العابرة للحدود عدة أيام، فضلا عن الرسوم والعمولات المرتبطة بها.

وتؤدي هذه العوامل إلى زيادة تكلفة التجارة بالنسبة للشركات والمصدرين والمستوردين، وهو ما يعزز الحاجة إلى تطوير وسائل دفع أكثر سرعة وأقل تكلفة.

وبذلك، فإن مستقبل النظام المالي الدولي قد لا يتحدد فقط بمسألة استمرار الدولار أو تراجع دوره، وإنما أيضا بقدرة الدول على بناء بنية تحتية مالية مستقلة وفعالة تسمح لها بإجراء التجارة الدولية بعيدا عن الاعتماد الكامل على نظام واحد أو جهة واحدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى