المقامة العربية من العصور المتأخرة إلى الشيخ ناصيف اليازجي

لم يتراجع فن المقامة العربية بصورة مفاجئة أمام التحولات الأدبية التي شهدها العالم العربي، بل واصل حضوره في مراحل لاحقة، مع ظهور محاولات متعددة لتطوير بنيته وإعادة توظيفه بما يتناسب مع موضوعات العصور الجديدة.
ومن أبرز النماذج المتأخرة مقامات شمس الدين القواس الحلبي، المتوفى سنة 1000هـ، التي حملت عنوان «رياض الأزهار ونسيم الأسحار»، وضمت تسع مقامات. وقد حافظ هذا العمل على جانب من الخصائص التقليدية لفن المقامة، مع بقائه شاهدا على استمرار هذا اللون الأدبي بعد العصر الذهبي الذي ارتبط بالهمذاني والحريري.
مقامات البربير وتجديد موضوعات المقامة
في القرن الثامن عشر الميلادي ظهر أبو الفيض أحمد عبد اللطيف البربير، الذي ولد في دمياط بمصر، وتنحدر أسرته من بيروت، ثم تنقل في حياته بين عدد من المدن، وتولى القضاء في بيروت ودمشق، حيث توفي.
وترك البربير مجموعة من المؤلفات، من بينها مناظرات ومفاخرات أدبية عُرفت باسم «مقامات البربير»، وكان من أشهرها المفاخرة بين الماء والهواء.
ويلاحظ في مقامات البربير اختلاف بعض الأساليب عن الصيغة التقليدية التي استقرت لدى رواد هذا الفن. فقد استخدم لفظة «حكى» في افتتاح المقامات بدلا من «حدثنا»، وهو اختيار يحمل دلالة فنية؛ إذ ارتبطت الحكاية في الثقافة العربية بمجالس السمر وما يروى قبل النوم، الأمر الذي يجعل هذا الأسلوب أقرب إلى المزج بين المقامة والحكاية أو المنام.
كما ابتعد البربير عن موضوع الكدية الذي شكل محورا أساسيا في مقامات الهمذاني والحريري، واتجه بدلا من ذلك إلى موضوعات أكثر اتصالا بالاهتمامات الأدبية والفكرية في عصره.
ولعل استخدامه لفظة «حكى» كان متأثرا بالمقامة الأولى من المقامات الزينية، وهو ما يعكس استمرار التفاعل بين كتاب المقامات وتقاليد هذا الفن وأساليبه المتوارثة.
ابن الصيقل الجزري وتنويع افتتاحيات المقامات
ومن مظاهر التجديد في هذا الفن ما نجده لدى ابن الصيقل الجزري، الذي حرص على تنويع الأفعال التي تبدأ بها مقاماته.
فقد استخدم عبارات مثل: «حكى القاسم بن جريال»، و«حدث القاسم بن جريال»، و«أخبر القاسم بن جريال»، و«روى القاسم بن جريال». وكرر هذه الصيغ في اثنتي عشرة دورة، ليصل مجموع المقامات الناتجة عنها إلى 48 مقامة، ثم أضاف مقامتين أخريين بدأهما بالفعلين «حكى» و«حدث»، ليكتمل بذلك عدد المقامات إلى خمسين.
ويكشف هذا التنويع عن وعي واضح بأهمية الاستهلال في بناء المقامة، وعدم الاكتفاء بتكرار الصيغة التقليدية نفسها في كل نص.
الشيخ ناصيف اليازجي و«مجمع البحرين»
مع بداية القرن التاسع عشر، برز الشيخ ناصيف اليازجي، المولود عام 1800 في كفر شيما بالقرب من بيروت، بوصفه أحد أبرز الأدباء الذين أعادوا إحياء فن المقامة في العصر الحديث.
وينتمي اليازجي إلى أسرة اشتهرت بالعلم والكتابة، وقد كان واسع المعرفة باللغة العربية وآدابها، حتى اكتسب لقب «الشيخ» بوصفه تعبيرا عن مكانته العلمية والأدبية واللغوية، وليس بالضرورة عن انتمائه الديني.
وعاصر اليازجي رفاعة الطهطاوي، وترك ستين مقامة جمعها في كتاب «مجمع البحرين»، وجعل موضوع الكدية محورا أساسيا لها، مستعيدا بذلك أحد أبرز عناصر المقامة العربية التقليدية.
وقد عهد اليازجي برواية المقامات إلى شخصية تدعى سهيل بن عباد، بينما جعل ميمون بن خزام بطلا لها، وقدم الشخصيتين بوصفهما مجهولي النسب والبلاد. كما أضاف شخصيات أخرى شاركت البطل في حيله ومغامراته، الأمر الذي منح البناء القصصي للمقامات مساحة أكبر.
ويمثل إدخال الشخصيات الثانوية أحد الجوانب التي ميزت تجربة اليازجي، إذ لم تقتصر الأدوار على الراوي والبطل وحدهما، وإنما أصبح للشخصيات الأخرى دور في عمليات الاحتيال والكدية والحيل، وهو ما يقرب بعض المقامات من قصص الشطار والمغامرات الشعبية.
اللغة والأسلوب في مقامات اليازجي
لم يبتعد اليازجي كثيرا عن الموضوعات الاجتماعية التي عرفتها المقامة في صورتها الكلاسيكية، ولذلك ظلت الكدية والحيلة حاضرتين بقوة في عمله.
ومع ذلك، حاول اليازجي إحياء الأسلوب العربي القديم في النثر، متأثرا بالجهود الأدبية التي سعت إلى استعادة قوة اللغة العربية وأساليبها بعد فترات من الضعف والتراجع.
وكان ينوع في الأفعال التي يستهل بها مقاماته، مستخدما «حكى» و«أخبر» و«قال» و«حدث» و«روى»، وهو تنويع يخفف من الرتابة ويمنح بدايات المقامات قدرا من المرونة.
كما يظهر في كتابه تأثر واضح بمقامات الهمذاني والحريري، وهو أمر لم يخفه اليازجي نفسه؛ فقد أشار في مقدمة «مجمع البحرين» إلى أنه سار على خطاهما، مع اعترافه بصعوبة منافستهما.
وقد كان اهتمامه منصبا بدرجة كبيرة على الصياغة اللغوية والمحسنات والأساليب البلاغية، أكثر من انشغاله بتصوير التحولات الاجتماعية والسياسية التي شهدها عصره.
الألغاز والمعارف في «مجمع البحرين»
تتضمن مقامات اليازجي مجموعة واسعة من العناصر الأدبية والمعرفية، من بينها الألفاظ الغريبة، والأحاجي، والألغاز، والمعميات، إلى جانب الحكم والأمثال والأقوال المأثورة.
كما أدرج فيها معلومات ذات صلة بالطب والتاريخ والعلوم والأدب، وهو ما جعل المقامة عنده تتجاوز مجرد الحكاية القائمة على الحيلة والكدية إلى مساحة أوسع من الاستعراض اللغوي والثقافي.
وتظهر هذه السمات بصورة خاصة في بعض المقامات، ومنها المقامتان النجدية والحجازية، حيث وظف اليازجي جانبا من غريب اللغة وحوشي الكلام، مقتفيا في ذلك أثر الهمذاني والحريري.
كما يمكن ملاحظة صلات بين «مجمع البحرين» وبعض التجارب السابقة في هذا المجال، ومنها مقامات أبي العباس يحيى بن سعيد بن ماري، الذي عُرف بوضع عدد من المقامات ذات الطابع المسيحي.
القرآن الكريم في الإنتاج الفكري لغير المسلمين
من الجوانب اللافتة في تجربة ناصيف اليازجي كثرة توظيفه للنص القرآني في كتاباته، وهو ما يرتبط بإتقانه الواسع للغة العربية وعلومها.
وقد نقل جورجي زيدان في الجزء الثاني من كتابه «تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر» أن اليازجي كان يحفظ القرآن الكريم كاملا، وهو ما يساعد على تفسير تمكنه من أساليبه اللغوية واستفادته من تراكيبه في إنتاجه الأدبي.
ولا تقتصر ظاهرة الإفادة من القرآن الكريم على ناصيف اليازجي وحده، وإنما تظهر لدى عدد من الأدباء والمفكرين العرب من غير المسلمين، الذين تعاملوا مع النص القرآني باعتباره جزءا أساسيا من الثقافة العربية ومصدرا مهما من مصادر الفصاحة والبيان.
ومن الأسماء التي ارتبطت بهذه الظاهرة إبراهيم ناصيف اليازجي ومي زيادة وغيرهما، إذ كان التمكن من اللغة العربية وعلومها يقتضي في البيئة الثقافية العربية آنذاك معرفة واسعة بالنصوص التراثية، وفي مقدمتها القرآن الكريم.
إبراهيم اليازجي واتساع المعرفة العربية
كان إبراهيم ناصيف اليازجي، المولود عام 1847 والمتوفى عام 1906، من أبرز أفراد الأسرة اليازجية في مجال اللغة والأدب.
وتشير المصادر التي تناولت سيرته إلى أنه درس الفقه الحنفي على الشيخ محيي الدين البافي، أحد علماء بيروت المعروفين، وكان اهتمامه بالعلوم العربية جزءا من مشروع معرفي أوسع يقوم على توسيع أدوات الحوار والتواصل داخل مجتمع متعدد الطوائف والثقافات.
وقد ساعده هذا التكوين على الجمع بين المعرفة اللغوية والتراثية والانفتاح على مجالات فكرية متعددة، وهو ما انعكس على حضوره في الحياة الثقافية العربية خلال القرن التاسع عشر.
وهكذا لم تكن المقامة عند اليازجي مجرد محاولة لاستعادة شكل أدبي قديم، بل كانت جزءا من حركة أوسع لإحياء اللغة العربية وإعادة الاعتبار إلى أساليبها البلاغية في مرحلة شهدت تحولات عميقة في الأدب والفكر والمجتمع.







