لماذا لا تنخفض أسعار البنزين بسرعة رغم تراجع أسعار النفط؟

لا يعني تراجع التوترات الجيوسياسية أو انخفاض أسعار النفط الخام أن أسعار البنزين ستتراجع بالسرعة نفسها، إذ تخضع سوق الوقود لعوامل متعددة تتجاوز تكلفة الخام، من بينها حجم المخزونات النفطية، وقدرات المصافي، وهوامش التكرير، وآليات التسعير، إلى جانب سلوك المستهلكين.
ويفسر الاقتصادي جيمس سورويكي، في مقال نشرته مجلة “ذي أتلانتيك”، استمرار ارتفاع أسعار البنزين في الولايات المتحدة رغم فترات التهدئة المؤقتة في الحرب مع إيران، بأن سوق الوقود لا تعكس التطورات السياسية وأسعار النفط بصورة فورية.
مخزونات أقل تعني تراجعا أبطأ للأسعار
كانت أسواق النفط العالمية عند بداية الحرب تتمتع بهوامش أمان أكبر، مستفيدة من مستويات مرتفعة نسبيا للمخزونات، إلى جانب السحب من الاحتياطيات النفطية الإستراتيجية في الولايات المتحدة وأوروبا، فضلا عن تراجع واردات الصين من الخام.
لكن هذه الهوامش تراجعت لاحقا، في وقت وصل فيه الاحتياطي النفطي الإستراتيجي الأميركي إلى مستويات منخفضة تاريخيا مقارنة بالعقود الماضية، وهو ما يفرض ضغوطا إضافية على السوق.
وبحسب التحليل، فإن أي انخفاض في أسعار النفط الخام قد يترافق مع زيادة الطلب على إعادة بناء المخزونات، ما يحد من سرعة انتقال الانخفاض إلى أسعار الوقود التي يدفعها المستهلكون في محطات البنزين.
التكرير عامل أساسي في تحديد سعر البنزين
ولا يتحدد سعر البنزين وفقا لسعر النفط الخام وحده، إذ يمر النفط أولا بمرحلة التكرير التي تمثل حلقة أساسية في سلسلة إمدادات الوقود.
وقد تعرضت طاقات التكرير لضغوط خلال الفترة الماضية نتيجة تعطل جزء من قدرات المصافي بسبب تداعيات الحرب، إضافة إلى التأثيرات المستمرة للحرب الروسية الأوكرانية على أسواق الطاقة العالمية.
وتعمل المصافي الأميركية بالقرب من مستويات مرتفعة جدا من طاقتها، ما يحد من قدرة السوق على زيادة إنتاج المنتجات المكررة بسرعة عندما يرتفع الطلب.
وفي ظل هذه الظروف، اتسعت الفجوة بين سعر النفط الخام وسعر المنتجات النفطية المكررة، وهي الفجوة التي تعرف باسم “هامش التكرير”، الأمر الذي يسمح ببقاء أسعار البنزين مرتفعة حتى عندما يبدأ سعر الخام في التراجع.
لماذا ترتفع أسعار البنزين بسرعة وتنخفض ببطء؟
من الظواهر المعروفة في سوق الوقود أن أسعار البنزين عادة ما تستجيب بسرعة لصعود أسعار النفط، لكنها تكون أبطأ في الانخفاض عندما تتراجع أسعار الخام.
ويشير سورويكي إلى أن أسعار النفط فقدت أكثر من 40% من قيمتها بعد التهدئة المؤقتة في يونيو/حزيران، في حين لم تتراجع أسعار البنزين بالمعدل نفسه، وهو ما دفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى انتقاد شركات النفط والمطالبة بالتحقيق في طريقة تسعير الوقود، وفقا للتحليل.
لكن الكاتب يوضح أن الدراسات الاقتصادية لم تقدم أدلة تثبت وجود تواطؤ بين شركات الوقود بهدف إبقاء الأسعار مرتفعة.
ويرجح بدلا من ذلك أن يكون بطء انخفاض الأسعار مرتبطا بمجموعة من العوامل التنافسية والسلوكية، إذ أصبح بعض المستهلكين أقل حساسية للفروق السعرية بعد فترة طويلة من ارتفاع أسعار الوقود، كما أن عوامل مثل قرب محطة الوقود والعلامة التجارية قد تكون أكثر أهمية بالنسبة إلى بعض السائقين من البحث عن أرخص سعر متاح.
تراجع النفط لا يصل إلى محطات الوقود فورا
ورغم هذه العوامل، فإن انخفاض أسعار النفط ينعكس في نهاية المطاف على أسعار البنزين، لكن انتقال هذا الأثر يحتاج إلى وقت.
ويشير التحليل إلى دراسة صادرة عن بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، خلصت إلى أن عملية تكيف أسعار الوقود مع التغيرات في أسعار النفط قد تستغرق أكثر من 16 أسبوعا.
وبالتالي، فإن انخفاض سعر الخام في الأسواق العالمية لا يعني بالضرورة أن المستهلك سيلاحظ انخفاضا فوريا في سعر البنزين، لأن السوق تحتاج أولا إلى استيعاب التغيرات في المخزونات، وطاقة التكرير، وتكاليف المنتجات المكررة، قبل أن يظهر الأثر بصورة أوضح في محطات الوقود.
وتكشف هذه المعطيات أن أسعار البنزين لا تتحرك كمرآة مباشرة لأسعار النفط الخام، بل تتأثر بسلسلة معقدة من العوامل التي يمكن أن تؤخر انخفاض الأسعار حتى بعد تراجع التوترات الجيوسياسية وانحسار أسعار الخام.







