ثقافة وأدب وفن

إسقاط الأرض المتساوية.. خريطة تسعى إلى تصحيح الصورة البصرية لأحجام القارات

يُعد إسقاط «الأرض المتساوية» (Equal Earth) أحد النماذج الحديثة في علم رسم الخرائط، وقد ظهر عام 2018 بهدف تقديم تمثيل أكثر عدالة للمساحات الجغرافية، بحيث تحافظ القارات والدول على نسب أحجامها الحقيقية، مع الإبقاء على مظهر بصري قريب من الشكل الكروي المعتاد للأرض.

وطوّر هذا الإسقاط فريق من مصممي الخرائط ضم بويان شافريتش، وبرنهارد جيني، وتوم باترسون، مستفيدين من بعض الخصائص الجمالية التي ميزت إسقاط روبنسون الذي ظهر عام 1963، واشتهر بمظهره المتوازن وانتشاره الواسع، رغم أنه لا يحافظ على التناسب الحقيقي لمساحات المناطق.

لماذا ظهرت الحاجة إلى إسقاط جديد؟

جاء تطوير «الأرض المتساوية» في سياق نقاش متواصل حول الطريقة التي تُعرض بها خريطة العالم، ولا سيما الانتقادات الموجهة إلى إسقاط مركاتور الذي يعطي المناطق الواقعة عند خطوط العرض العليا أحجاما بصرية أكبر من مساحاتها الحقيقية.

وقد ساهم هذا التشويه، بحسب منتقديه، في تكوين تصور غير دقيق عن الحجم النسبي للقارات والدول، إذ تظهر مناطق قريبة من القطبين أكبر بكثير مما هي عليه في الواقع، بينما تبدو المناطق المدارية، ومن بينها أفريقيا، أصغر من حجمها الحقيقي.

وفي عام 2017، أعلنت مدارس بوسطن الحكومية اعتماد إسقاط غال بيترز في خرائط الفصول الدراسية بدلا من مركاتور، وهو ما أعاد النقاش حول أفضل الطرق لتمثيل سطح الأرض على الخرائط المسطحة إلى الواجهة.

ويرى مؤيدو الاتجاه نحو الخرائط المتساوية المساحات أن المسألة لا تتعلق بالدقة الرياضية وحدها، وإنما تمتد إلى الطريقة التي يتشكل بها الإدراك البصري للعالم، خصوصا عندما ترتبط المساحة الجغرافية في ذهن المتلقي بمفاهيم القوة أو الأهمية أو النفوذ.

من مركاتور إلى غال بيترز

لا يمكن نقل سطح الكرة الأرضية إلى خريطة مسطحة من دون حدوث تشوه بدرجة ما، لأن طبيعة السطح الكروي تفرض على مصممي الخرائط الاختيار بين الحفاظ على بعض الخصائص، مثل المساحة أو الشكل أو المسافة أو الاتجاه، على حساب خصائص أخرى.

ويُعد إسقاط مركاتور مثالا واضحا على ذلك؛ فهو يحافظ بدرجة كبيرة على الزوايا والأشكال المحلية، لكنه لا يحافظ على المساحات، التي تتضخم بصورة ملحوظة كلما اقتربنا من القطبين.

وقد صُمم مركاتور في الأساس لخدمة أغراض الملاحة البحرية خلال عصر الاكتشافات الجغرافية، إذ تتمثل إحدى أهم مزاياه في جعل خطوط الاتجاه الثابت مسارات مستقيمة على الخريطة، الأمر الذي سهّل على البحارة تحديد مساراتهم أثناء الرحلات الطويلة.

أما إسقاط غال بيترز، فيتبنى أولوية مختلفة، إذ يحافظ على المساحات النسبية الحقيقية للمناطق، بحيث تكون مساحة كل دولة أو قارة متناسبة مع مساحتها الفعلية على سطح الأرض.

لكن تحقيق هذه الميزة يأتي على حساب الأشكال، إذ يؤدي تحويل الكرة الأرضية إلى سطح مستوٍ مستطيل إلى تشوه واضح في هيئة القارات، ولا سيما في المناطق الواقعة عند خطوط العرض المرتفعة. كما أن شكل الخريطة الناتج لا يحظى دائما بالقبول البصري نفسه الذي تتمتع به بعض الإسقاطات الأخرى.

الاستفادة من إسقاط روبنسون

سعى شافريتش وجيني وباترسون إلى تجاوز المفاضلة الحادة بين دقة المساحات وجاذبية الشكل، فعملوا على تطوير إسقاط يجمع بين الخاصيتين قدر الإمكان.

واستند الفريق في الجانب الجمالي إلى نتائج دراسة أجراها شافريتش وباحثون آخرون عام 2015، تناولت تفضيلات مستخدمي الخرائط تجاه الأشكال المختلفة للإسقاطات.

وأظهرت الدراسة ميلا إلى الإسقاطات التي تستخدم خطوطا مستقيمة عند القطبين، بدلا من تلك التي تجعل القطبين نقطتين بارزتين، كما أظهرت تفضيلا للخرائط التي لا تتجه فيها خطوط الطول إلى الخارج بانحناء مبالغ فيه.

وبين الإسقاطات المعروفة، وجد الباحثون أن إسقاط روبنسون يقترب من الشكل الذي يبحثون عنه. ويتميز هذا الإسقاط، الذي وضعه عالم الخرائط آرثر روبنسون عام 1963، بخطوط طول منحنية بسلاسة وخطوط عرض مستقيمة، ما يمنحه شكلا متوازنا يميل إلى الهيئة البيضاوية القريبة من المظهر العام للكرة الأرضية.

ومن هنا جاءت الفكرة الأساسية لإسقاط «الأرض المتساوية»: الاحتفاظ بالخصائص الجمالية المألوفة لإسقاط روبنسون، مع إضافة ميزة أساسية تتمثل في الحفاظ على تساوي المساحات.

كيف يعمل إسقاط الأرض المتساوية؟

ينتمي «الأرض المتساوية» إلى الإسقاطات شبه الأسطوانية، ويهدف إلى الحفاظ على التناسب الصحيح لمساحات المناطق الجغرافية مع تقليل التشوهات البصرية قدر الإمكان.

وتتوزع خطوط الطول فيه بصورة منتظمة على خطوط العرض المختلفة، بينما تنحني إلى الخارج بدرجة محدودة، فتظهر في صورة أقواس سلسة تمنح الخريطة مظهرا متناسقا يحاكي، في مجمله، الهيئة الكروية للأرض.

وبهذه الطريقة، يحاول الإسقاط تحقيق توازن بين الدقة العلمية وسهولة قراءة الخريطة وجاذبيتها البصرية، بدلا من التضحية الكاملة بأحد الجانبين لصالح الآخر.

لماذا لا توجد خريطة مثالية للعالم؟

تكمن المشكلة الأساسية في أن الكرة الأرضية جسم ثلاثي الأبعاد، بينما الخريطة الورقية أو الرقمية التقليدية سطح ثنائي الأبعاد. ولذلك لا يمكن إسقاط سطح الكرة على مستوى مستوٍ مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بجميع خصائصه الهندسية.

وعند إعداد أي خريطة للعالم، يتعين على المصمم تحديد الأولوية: هل يريد الحفاظ على المساحات؟ أم الأشكال؟ أم المسافات؟ أم الاتجاهات والزوايا؟

ولهذا السبب تختلف الإسقاطات الخرائطية بحسب الغرض الذي صممت من أجله، ولا يمكن اعتبار إسقاط واحد حلا مثاليا لجميع الاستخدامات.

مركاتور.. دقة في الملاحة وتشويه في المساحات

يتميز إسقاط مركاتور بالحفاظ على الزوايا والأشكال المحلية، وهي خاصية جعلته مناسبا بصورة خاصة للملاحة.

لكن هذه الميزة تأتي مع ارتفاع التشوه في المساحات كلما ابتعدنا عن خط الاستواء. ولذلك تبدو المناطق الشمالية والجنوبية القريبة من القطبين أكبر بكثير من حجمها الفعلي، بينما تظهر المناطق القريبة من خط الاستواء أصغر نسبيا.

وهذا لا يعني أن مركاتور إسقاط «خاطئ» في حد ذاته، بل إنه صُمم لتحقيق هدف محدد يتعلق بالملاحة، وليس لإظهار الأحجام الحقيقية للقارات والدول.

غال بيترز.. أولوية للمساحة على حساب الشكل

على الجانب الآخر، يمنح إسقاط غال بيترز الأولوية للحفاظ على المساحات النسبية، ولذلك تبدو الدول والقارات بأحجام أقرب إلى واقعها الجغرافي.

غير أن هذا الالتزام بتساوي المساحات يؤدي إلى تشوهات واضحة في الأشكال، خصوصا في مناطق خطوط العرض الوسطى والعليا. وتظهر بعض القارات والمناطق ممدودة أو مضغوطة مقارنة بمظهرها على سطح الكرة الأرضية.

ومن هنا جاء إسقاط «الأرض المتساوية» كمحاولة للعثور على حل وسط: الحفاظ على دقة المساحات، مع تقديم خريطة ذات شكل أكثر انسيابية وألفة للمستخدم.

إسقاط الأرض المتساوية في مواجهة الصورة التقليدية للعالم

يتجاوز الجدل حول الإسقاطات الخرائطية الجانب التقني البحت، إذ أصبحت الطريقة التي تُرسم بها خريطة العالم جزءا من النقاش المتعلق بكيفية إدراك البشر للجغرافيا.

فحين تظهر منطقة ما أكبر بكثير من حجمها الحقيقي على الخريطة، يمكن أن يترسخ لدى المتلقي تصور غير دقيق عن موقعها ومساحتها مقارنة بالمناطق الأخرى.

ومن هذه الزاوية، يقدم «الأرض المتساوية» بديلا يسعى إلى جعل الصورة البصرية لأحجام القارات والدول أقرب إلى الواقع، مع تجنب التشوهات الشكلية الحادة التي قد تنتج عن بعض الإسقاطات المتساوية المساحات الأخرى.

ومع استمرار النقاش العالمي حول مستقبل خرائط العالم، تبرز هذه النماذج بوصفها محاولات لإعادة التوازن بين الدقة الرياضية والوضوح البصري، وتقديم صورة أقرب إلى الواقع عن الأحجام النسبية لمناطق العالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى