ثقافة وأدب وفن

تاج الدين السبكي.. فقيه واجه سلطة المماليك ودافع عن العدل والمال العام

فقيه في مواجهة سلطة الأمراء

في القرن الثامن الهجري، لم يكن من السهل على فقيه يعيش في ظل الدولة المملوكية أن يواجه الأمراء بالقول إن أموال الرعية ليست ملكا لهم، وإن الحاكم مسؤول عن الأمة وليس مالكا لها، وإن من واجب العالم التصدي للظلم ومساءلة السلطة.

لكن تاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي اتخذ هذا الموقف، ودفع ثمنا باهظا له، إذ تعرض للعزل والسجن والملاحقة، قبل أن يترك تراثا فقهيا وفكريا يطرح أسئلة مهمة حول السلطة وأخلاق الحكم وحدود صلاحيات الحاكم.

ورغم مكانته العلمية الكبيرة، فإن اسم التاج السبكي لا يحضر كثيرا في النقاشات العربية الحديثة المتعلقة بالسياسة والعدل والمال العام، مع أنه كان من أبرز فقهاء المذهب الشافعي في عصره، وتولى منصب قاضي القضاة، وترك عددا كبيرا من المؤلفات خلال حياة لم تتجاوز 44 عاما.

من بيت علم إلى رئاسة المذهب الشافعي

ولد التاج السبكي، واسمه عبد الوهاب بن علي، في أسرة علمية بارزة، وكان والده الفقيه الشافعي الكبير تقي الدين السبكي، الذي بلغ أيضا مرتبة الاجتهاد المطلق بحسب ما ذكر السيوطي.

وانتقل التاج السبكي مع والده إلى بلاد الشام وهو في الثانية عشرة من عمره، بعد تولي أبيه رئاسة القضاء هناك، واستقر لاحقا في دمشق واتخذها موطنا له.

وشاهد التاج والده عن قرب وهو يمارس القضاء ويناصر العدل وينازع الأمراء المماليك في إنصاف الرعية وإقامة الحق. بل إنه أبدى في ترجمته لوالده ندمه على قبول الأخير منصب القضاء، وهو موقف يكتسب دلالة خاصة بالنظر إلى أن التاج نفسه قبل لاحقا تولي القضاء، بما يوحي بأنه كان يحمل تحفظات عميقة تجاه المنصب وما يفرضه من علاقة شائكة مع السلطة.

وبلغ السبكي لاحقا مكانة علمية رفيعة، حتى آلت إليه رئاسة المذهب الشافعي، وعده فقهاء من جاء بعده من المجتهدين المطلقين، أي ممن يمتلكون القدرة على النظر المستقل في النصوص والوقائع وعدم الاكتفاء بترديد آراء السابقين.

قرب من السلطة دون خضوع لها

ورغم قرب التاج السبكي من نائب الشام الأمير علي المارديني، الذي تولى لاحقا نيابة مصر، فإنه لم يكن مستعدا للتنازل عن مواقفه أو الخضوع لرغبات أصحاب النفوذ.

وأدى ذلك إلى عزله من منصبه وتعيين الشيخ السراج البلقيني مكانه. كما تعرض السبكي لاحقا لمحن متكررة، ساهم فيها خصوم وحاسدون تحالفوا ضده، وانتهى الأمر بإحضاره إلى مصر مقيدا، فيما قدم معه عدد من أهل الشام للشهادة عليه.

وكان من أبرز الاتهامات التي وجهت إليه اتهام يتعلق بفساد مالي خلال فترة توليه منصب قاضي القضاة، غير أن التهمة لم تثبت بحقه، فأعيد إلى منصبه بعد عزله.

ولا تبدو قراءة أفكار السبكي السياسية إسقاطا لمفاهيم حديثة على نصوص قديمة، بقدر ما تكشف عن أسئلة كانت حاضرة في البيئة المملوكية نفسها، خصوصا ما يتعلق بحدود السلطة وحقوق الرعية وإدارة المال العام والعلاقة بين أهل العلم والحكام.

«معيد النعم ومبيد النقم».. الحكم مسؤولية أخلاقية

يظهر الجانب السياسي من فكر التاج السبكي بصورة واضحة في كتابه «معيد النعم ومبيد النقم»، حيث لا ينظر إلى السياسة باعتبارها مجرد وسيلة لإدارة القوة أو الحفاظ على السلطان، بل يربط شرعية الحكم بالعدل وحماية الناس وصيانة أموالهم ودمائهم وكرامتهم.

ومن هذا المنظور، لا يكتسب السلطان شرعيته لمجرد امتلاكه القوة، ولا يمكن للدولة أن تستقيم بالبطش والأمن القسري وحدهما، بل يكون الحاكم مسؤولا عن رعاية مصالح الأمة، بوصفه وكيلا عنها لا مالكا لها.

ولهذا اتخذت معارضة السبكي طابعا رقابيا من داخل موقع الفقيه، ولم تتحول إلى دعوة للتمرد المسلح أو منافسة السلطان على الحكم. فقد رأى أن مهمة العالم تتمثل في الحد من ظلم الأمراء، والدفاع عن الرعية، ومنع السلطة من التوسع في سفك الدماء أو الاعتداء على الأموال والحقوق.

بين السياسة الشرعية والسياسة الجائرة

قسم السبكي السياسة إلى نوعين: سياسة شرعية عادلة، وأخرى ظالمة تتجاوز حدود الشرع وتستخدم مبررات «مصلحة الدولة» لتبرير التضييق على الناس.

فالسياسة العادلة، في تصوره، هي التي تلتزم بأحكام الشريعة ولا تتخذ من السلطة ذريعة للتوسع في العقوبات أو انتهاك كرامة الأفراد. أما السياسة الجائرة فتظهر عندما يرى الحكام أن الأحكام الشرعية لا تكفي لضبط المجتمع، فيضيفون إليها عقوبات وإجراءات أشد قسوة.

ويستند السبكي في نقده إلى قوله تعالى: «فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما».

ولا يستخدم السبكي الآية للدلالة فقط على أن الحكام قد يتساهلون في تطبيق الأحكام الشرعية، بل يوجهها إلى حالة أخرى يرى أنها أكثر خطورة، وهي تجاوز تلك الأحكام وإضافة إجراءات أشد قسوة بحجة تحقيق المصلحة العامة.

نقد «المصلحة» التي تبرر ظلم الناس

هاجم السبكي ما اعتبره مصالح متوهمة استخدمها بعض الأمراء المماليك مبررا للتوسع في العقوبات والتعزيرات والتدخل في حياة الناس.

ويرى أن مصالح البشر لا ينبغي أن تصبح ذريعة للخروج عن الأحكام الشرعية، مؤكدا أن الشريعة، في نظره، جاءت لتحقيق مصالح الناس في معاشهم ومعادهم، وأن الانحراف عنها هو الذي يفتح الباب أمام الفساد.

ويتقاطع هذا الموقف مع اعتراضات فقهية أقدم، من بينها موقف إمام الحرمين الجويني الذي حذر من التوسع في التعزيرات والعقوبات تحت عنوان المصلحة، وانتقد الفقهاء الذين يمنحون السلطة السياسية مبررات واسعة لتجاوز الحدود التي تضبط ممارسة الحكم.

الشريعة.. مفهوم يتجاوز الحدود والعقوبات

لا يرى السبكي الشريعة في إطار الحدود والتعزيرات فقط، بل يقدم فهما أوسع لها يشمل العدل السياسي والاجتماعي والاقتصادي، إلى جانب حماية الحقوق وضبط ممارسة السلطة.

ويظهر ذلك في حديثه عن واجبات «نواب السلطنة»، حيث يؤكد ضرورة رد الأحكام إلى الشرع، مستندا إلى مبدأ أن الحكم لله، ثم يستعرض الآيات التي تتحدث عن الذين لا يحكمون بما أنزل الله، ويربط بينها وبين مفاهيم الفسق والكفر والظلم.

ويكشف هذا الطرح أن قضية «الحاكمية» ليست وليدة الفكر الإسلامي الحديث، بل لها جذور أقدم في التراث الفقهي، حيث ناقش علماء مسلمون عبر عصور مختلفة علاقة الشريعة بالحكم، وانتقدوا ممارسات سلطات سياسية رأوا فيها ظلما للرعية أو استيلاء على أموال الناس بغير حق.

رفض اقتحام البيوت باسم السلطة

ومن أبرز الأمثلة التي تكشف اتساع مفهوم الشريعة لدى السبكي موقفه من اقتحام البيوت والتجسس على المستورين.

ففي الوقت الذي رأى فيه بعض سلاطين المماليك أن الشريعة تتسم باللين ولا توفر ما يكفي من أدوات الردع السياسي، دافع السبكي عن هذه السمات باعتبارها جزءا من حماية حقوق الناس.

ومن هنا حرم على السلطة السياسية اقتحام بيوت الأشخاص الذين تقع منهم معاصٍ في الخفاء، ما دامت تلك الأفعال مستورة ولا يعلن أصحابها عنها ولا يترتب عليها ضرر عام.

ويكشف هذا الموقف عن تصور للسلطة يضع لها حدودا واضحة، فلا تصبح حماية النظام أو تحقيق المصلحة العامة مبررا مطلقا لانتهاك خصوصية الأفراد وكرامتهم.

وهكذا يقدم إرث التاج السبكي صورة لفقيه رأى أن قوة الدولة لا تبرر تجاوزها للعدل، وأن المال العام وحقوق الرعية ليست مجالا مفتوحا لرغبات الأمراء، وأن العالم لا يؤدي دوره الحقيقي إذا تحول إلى تابع للسلطة، بل حين يحتفظ بالقدرة على نصح الحاكم ومساءلته والوقوف في وجه ظلمه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى