ثقافة وأدب وفن

رواية «صفر فاصل خمسة».. كيف يقع الإنسان في فخ الذكاء الاصطناعي هربا من ملل الحياة؟

ما الذي يدفع رجلا في الأربعينيات من عمره إلى خوض مغامرة محفوفة بالمخاطر داخل عالم الذكاء الاصطناعي؟ وكيف يحاول الإنسان المعاصر الهروب من هيمنة التكنولوجيا المتطورة، ليجد نفسه أسيرا لها؟ تطرح رواية «صفر فاصل خمسة» للروائي المصري أحمد القرملاوي هذه الأسئلة من خلال حكاية تمزج بين الواقع والخيال، وتستكشف علاقة الإنسان بالتكنولوجيا وتأثيرها في حياته الشخصية.

يخوض بطل الرواية تجارب غير مألوفة، ويلتقي أشخاصا لم يكن ليتعرف إليهم في حياته اليومية، كما يزور أماكن لم يسبق له السفر إليها. لكن المغامرة سرعان ما تنحرف عن مسارها المتوقع، وتتداخل الأحداث الواقعية مع الافتراضية، لتصل تداعياتها إلى حياته الأسرية وتهدد استقراره العائلي.

صدرت الرواية عن دار ديوان للنشر في 167 صفحة، وهي العمل الروائي السابع للقرملاوي، الحائز على جائزة الشيخ زايد للكتاب في فرع المؤلف الشاب عام 2018. واختيرت ضمن قائمة تضم 10 أعمال روائية ستُعرض في ملتقى «من الكتاب إلى الشاشة»، الذي ينظمه مهرجان القاهرة السينمائي الدولي للمرة الأولى في نوفمبر/تشرين الثاني، بهدف تعريف شركات الإنتاج والمنصات الرقمية بأعمال أدبية مرشحة للتحويل إلى أفلام سينمائية.

فخ الخوارزميات وعزلة المقطم

تدور الأحداث حول عمر الحجاوي، الذي يعمل مديرا لشؤون العاملين في شركة متعددة الجنسيات، ويتمتع براتب مرتفع وحياة أسرية مستقرة مع زوجته هانيا وابنتهما الوحيدة. ورغم ما يمتلكه من مقومات الاستقرار، يشعر عمر بالملل وفقدان الشغف، وكأنه عالق في حياة تفتقر إلى المعنى والتجدد.

في هذه الحالة النفسية، يجد نفسه محاصرا بمحتوى منصات التواصل الاجتماعي، التي تستعين بالخوارزميات لتحليل اهتمامات المستخدمين وتوقع رغباتهم، ثم تعرض عليهم سلاسل متواصلة من المنتجات والخدمات والإعلانات، مستفيدة من نقاط ضعفهم ومخاوفهم واحتياجاتهم.

ويعكس عمر هذا الشعور بالحصار في مستهل الرواية، حين يصف ملاحقة مقاطع الفيديو القصيرة له كلما فتح فيسبوك أو إنستغرام، وكأن المنصات تعرف معاناته النفسية وتعرض عليه الحلول قبل أن يطلبها. وتقدم له رسائلها الإعلانية وعودا بالخلاص من الملل والأرق واليأس، وتصوّر المنتجات التي تروج لها بوصفها وسيلة لاستعادة السعادة والتخلص من أوجاع الحياة.

أمام هذا الإلحاح الرقمي، يستسلم عمر لإغراء تجربة جديدة، فيقرر الانضمام إلى «أخوية 0.5»، وهي مجموعة تطوعية تعمل على تغذية مساعد جديد للذكاء الاصطناعي بالمشاعر والخبرات الإنسانية.

غير أن المشاركة في المشروع تتطلب عزلة تامة لمدة ثلاثة أيام داخل غرفة تختارها إدارة المجموعة، بناء على خصائص كل مشارك، بما يشمل طباعه وعمره وميوله الشخصية.

يخوض عمر التجربة سرا، فيخبر زوجته بأنه سيسافر في مهمة تدريبية خارج مصر، بينما يقدم لجهة عمله رواية مختلفة، مدعيا أنه سيشارك في التدريب نفسه على نفقته الخاصة. وبعد ترتيب هذه الأكاذيب، يجد نفسه وحيدا داخل غرفة في منزل متواضع بمنطقة المقطم، لا يملك سوى نظارة محاكاة تنقله إلى عالم افتراضي لا يعرف إلى أين سيقوده.

ويكشف قراره عن حجم الضجر الذي يعيشه، إذ لا يدخل التجربة بحثا عن هدف واضح أو نتيجة محددة، بل أملا في التخلص من السأم الذي استنزف اهتمامه بالحياة وأفقده القدرة على الاستمتاع باستقراره الأسري والمهني.

متاهة الجبل الأسود

تتوزع المغامرة التي يخوضها عمر على ثلاث مراحل رئيسية هي السفر والفقد والتيه، وتبدأ بانتقاله افتراضيا إلى جمهورية الجبل الأسود، المعروفة باسم مونتينيغرو، حيث يعيش بهوية مدير للمبيعات وتطوير الأعمال في شركة أدوية، يسافر لحضور حفل زفاف صديق قديم.

وخلال الرحلة، يتعرف إلى باتريشيا، وهي شابة تبلغ 24 عاما وتعمل راقصة جوجو في دبي. وتسافر باتريشيا سعيا إلى تحقيق حلمها بالمشاركة في مهرجان لفنون الشارع يُقام بمدينة تيفات الساحلية.

وبدلا من الالتزام بخطته الأصلية وحضور حفل الزفاف، يقرر عمر مرافقة باتريشيا إلى المهرجان، حيث تنجح في جذب الأنظار بفضل أدائها الاستعراضي وحيويتها. لكن الأحداث تأخذ منعطفا مفاجئا بعد عودتهما إلى الفندق، إذ تختفي باتريشيا، ليجد عمر نفسه المشتبه فيه الأول في اختفائها.

عند هذه النقطة، تتحول التجربة الافتراضية إلى متاهة من الغموض والتوتر، وتتسارع الأحداث مع محاولات عمر الخروج من عالم الذكاء الاصطناعي والعودة إلى حياته الحقيقية. غير أن الحدود بين الواقع والمحاكاة تصبح أقل وضوحا، ويجد نفسه عاجزا عن تحديد المسافة الفاصلة بين ما يعيشه فعليا وما تصنعه التجربة الرقمية.

ومع تطور الأحداث، تتكشف دوافع مرتبطة بحياته العائلية، تدفعه إلى مواصلة المغامرة رغم رغبته في الانسحاب منها. وهكذا، تتحول التجربة من محاولة للهروب من الملل إلى مواجهة مع الذات، إذ يجد عمر نفسه مضطرا إلى إعادة النظر في اختياراته وعلاقاته وتقييم حياته من زاوية مختلفة.

ومن خلال هذا المسار، تطرح «صفر فاصل خمسة» تساؤلات حول قدرة التكنولوجيا على استيعاب المشاعر والخبرات الإنسانية، وحدود سيطرة الخوارزميات على قرارات الأفراد، فضلا عن المفارقة التي يعيشها الإنسان حين يلجأ إلى العالم الرقمي بحثا عن الخلاص من واقعه، فيجد نفسه أمام تجربة تعيد تشكيل هذا الواقع وتضع استقراره على المحك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى