مشروع سوفا 53 الإسرائيلي في القنيطرة.. طريق عسكري يكرّس واقعا جديدا في جنوب سوريا

يُعرف مشروع «سوفا 53» أيضا باسم «العاصفة الكبرى»، وهو مشروع هندسي وعسكري تنفذه إسرائيل في ريف القنيطرة جنوبي سوريا، داخل المنطقة العازلة المحددة بموجب اتفاق فضّ الاشتباك لعام 1974، بمحاذاة مرتفعات الجولان المحتل وضمن نطاق انتشار قوة الأمم المتحدة لمراقبة فضّ الاشتباك «أندوف».
ويقوم المشروع على إنشاء طريق عسكري تحيط به تحصينات وسواتر ترابية وخنادق ونقاط مراقبة، في خطوة تثير مخاوف بشأن تداعياتها على الأراضي السورية والسيطرة على المناطق الحدودية، فضلا عن انعكاساتها على اتفاق فضّ الاشتباك ومستقبل المنطقة العازلة.
بداية المشروع ومراحل توسعه
بدأت السلطات الإسرائيلية تنفيذ مشروع «سوفا 53» في منتصف عام 2022، انطلاقا من أطراف بلدة حضر، قبل أن يمتد مساره عبر عدد من قرى ريف القنيطرة، من بينها جباثا الخشب والحميدية والقحطانية ورويحينة وبئر عجم وبريقة والعشة، وصولا إلى المثلث الحدودي في الجنوب.
وفي أواخر عام 2024، عادت الأعمال بوتيرة متسارعة عقب سقوط نظام بشار الأسد، مستفيدة من التحولات الأمنية التي شهدتها سوريا خلال تلك الفترة.
وبررت تل أبيب تحركاتها باعتبارات أمنية، وأبدت عدم ثقتها بالحكومة السورية الانتقالية، في حين يرى باحثون أن المشروع يتجاوز الاعتبارات العسكرية المباشرة، ويسعى إلى فرض واقع جديد من جانب واحد داخل الأراضي السورية.
وتزامنت هذه التطورات مع إعلان إسرائيل انهيار اتفاق فضّ الاشتباك لعام 1974، وسيطرتها على المنطقة السورية العازلة. في المقابل، أكدت دمشق تمسكها بالاتفاق وطالبت بانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي سيطرت عليها.
وفي 4 أكتوبر/تشرين الأول 2026، استأنفت القوات الإسرائيلية أعمال الحفر قرب قرية العشة في ريف القنيطرة الجنوبي، بالتزامن مع توغلات في قريتي صيدا الجولان وعابدين بريف درعا الغربي.
ورصدت مشاهدات ميدانية آليات إسرائيلية تنفذ عمليات حفر وتقيم سواتر ترابية في المنطقة، في تطور جديد ضمن مسار المشروع.
النطاق الجغرافي والتحصينات العسكرية
يتضمن مشروع «سوفا 53» شق طريق يبلغ عرضه نحو 8 أمتار، تحيط به سواتر ترابية يصل ارتفاعها إلى 5 أمتار، إلى جانب إنشاء خنادق ونقاط مراقبة على امتداد مساره داخل المنطقة العازلة بمحاذاة الجولان المحتل.
ووفق ما أوردته وسائل إعلام إسرائيلية، يُنظر إلى الطريق باعتباره خطا دفاعيا وهجوميا متقدما في مواجهة تهديدات محتملة من إيران والفصائل المرتبطة بها في المنطقة.
غير أن تنفيذ هذه الأعمال داخل المنطقة العازلة يثير إشكالات تتعلق باتفاق فضّ الاشتباك الموقع عام 1974، الذي ينظم الترتيبات العسكرية في المنطقة الفاصلة بين القوات السورية والإسرائيلية.
وبحسب مركز «سجل»، تراوح عمق التوغل الإسرائيلي داخل المنطقة العازلة بين 300 متر وألف متر، ما أدى إلى الاستيلاء على مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، فضلا عن تقييد وصول السكان إلى بعض ممتلكاتهم.
مصادرة الأراضي وتضرر مصادر رزق السكان
تجاوزت آثار المشروع الجانب العسكري، لتطال الأراضي الزراعية والمراعي والغطاء النباتي الذي يعتمد عليه سكان القرى المحيطة في تأمين مصادر دخلهم.
وأفادت مصادر مطلعة بأن نحو 7 آلاف دونم من أراضي قرية جباثا الخشب اقتُطعت لصالح المشروع. وقال حسن سعد الدين أحمد، أحد أبناء البلدة، إن القوات الإسرائيلية صادرت 16 دونما من أرضه المزروعة بالأشجار المثمرة، كما اقتطعت نحو ألفي دونم من أراضي عائلة مقربة منه.
وفي مناطق الحميدية والحرية والرسوم، بما فيها أبو شبطة والفجير، قدّر رئيس بلدية الحميدية أحمد سليمان مساحة الأراضي المتضررة بنحو 6 آلاف دونم.
كما تسببت الأعمال في تدمير مساحات من الغطاء النباتي، شملت المراعي والأشجار البرية التي تمثل موردا اقتصاديا مهما للسكان المحليين، خصوصا الذين يعتمدون على تربية المواشي والأنشطة الزراعية.
وامتدت عمليات الحفر إلى مناطق في ريف القنيطرة الأوسط، ولا سيما غرب قرى القحطانية وبئر عجم وبريقة وكودنة، حيث تنفذ الآليات الإسرائيلية أعمالها على فترات متقطعة.
تضييق الوصول إلى الأراضي الرعوية
طالت الأضرار أيضا الأراضي الرعوية الواقعة غرب قرية بئر عجم، ومن بينها أرض تعود إلى خالد حسين الناصيف، الذي فقد إمكانية الوصول إلى أجزاء كبيرة منها.
وبحسب ما نقله مختار قرية رويحينة محمد الأحمد، فإن أعمال المشروع وما رافقها من إجراءات ميدانية أدت إلى حرمان أصحاب أراضٍ من الانتفاع بممتلكاتهم، الأمر الذي يزيد الضغوط الاقتصادية على سكان المنطقة.
وتعكس هذه التطورات اتساع التأثيرات المدنية للمشروع، إذ لا تقتصر نتائجه على إنشاء طريق عسكري وتحصينات حدودية، بل تشمل تقليص المساحات المتاحة للزراعة والرعي، والإضرار بالغطاء النباتي، وتعقيد قدرة السكان على استغلال أراضيهم.
وفي ظل استمرار الأعمال والتوغلات الإسرائيلية في جنوب سوريا، يبقى مشروع «سوفا 53» أحد الملفات المرتبطة بمستقبل المنطقة العازلة، ومدى الالتزام باتفاق فضّ الاشتباك، وانعكاسات التغييرات الميدانية على أمن السكان وسيادة الأراضي السورية.







