ثقافة وأدب وفن

يهود وادي أبو جميل.. حكاية مجتمع بيروتي تلاشى بصمت

على مدى عقود، شهدت منطقة وادي أبو جميل في بيروت، التي عُرفت تاريخيا بوادي اليهود، تراجعا تدريجيا في أعداد أفراد الطائفة اليهودية، مع مغادرة عائلاتها لبنان على مراحل متتالية، خصوصا بعد حرب يونيو/حزيران 1967، وصولا إلى الحرب الأهلية اللبنانية التي اندلعت عام 1975.

وتتناول الكاتبة والصحفية اللبنانية ندى عبد الصمد في كتابها «حين انطفأت شرفات اليهود في وادي أبو جميل» جانبا من هذه الذاكرة المنسية، من خلال توثيق الحياة اليومية والاجتماعية والاقتصادية ليهود بيروت، وتتبع قصص عدد من أفراد الطائفة قبل رحيلهم وبعد مغادرتهم لبنان.

من «وادي أبو جميل» إلى ما بعد الرحيل

توضح عبد الصمد أن كتابها الصادر عام 2025 جاء استكمالا لعمل سابق نشرته عام 2010 بعنوان «وادي أبو جميل: قصص عن يهود بيروت»، مشيرة إلى أن السنوات الفاصلة بين العملين أتاحت لها الوصول إلى شهادات ومعلومات جديدة لم تكن متوفرة عند إعداد الكتاب الأول.

وبينما توقف الكتاب السابق عند مرحلة مغادرة اليهود للمنطقة، توسع العمل الجديد في تتبع مصائر بعض الشخصيات بعد الرحيل، من خلال 24 قصة لأشخاص عاشوا في بيروت وشاركوا في تفاصيل حياتها اليومية.

وترى الكاتبة أن هذه القصص تكشف تحولا لافتا في العلاقة بين أبناء الطائفة ومحيطهم؛ فالجيران الذين كانوا جزءا من الحياة اليومية للمدينة أصبحوا، بفعل التحولات السياسية والأمنية المتسارعة، جزءا من ماضٍ انقطعت صلته بالحاضر.

وتشير إلى أن الأجيال التي نشأت بعد تلك التحولات تجد صعوبة في تصور وجود مجتمع يهودي لبناني عاش حياة طبيعية في بيروت، خصوصا مع ارتباط صورة اليهود في الوعي العام بالصراع العربي الإسرائيلي وقيام إسرائيل.

حضور اقتصادي وثقافي في بيروت

وبحسب عبد الصمد، لم يكن يهود بيروت يعيشون في مجتمع منعزل عن بقية السكان، بل كانوا جزءا من الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمدينة، وساعد الموقع الجغرافي لوادي أبو جميل، القريب من الأسواق التقليدية، على تداخل حياتهم اليومية مع بقية مكونات المجتمع البيروتي.

وانخرط أفراد الطائفة في مجالات مهنية متعددة، من التجارة والصناعة إلى الصيرفة والأعمال المصرفية والحرف المختلفة. وتورد الكاتبة في كتابها قصة أحد أفراد عائلة عبادي، الذي انتقل من إيران إلى لبنان وأسّس مصنعا للورق أصبح موردا أساسيا للقرطاسية المستخدمة في الدوائر الرسمية اللبنانية.

كما عمل عدد من يهود صيدا في حياكة الملابس العسكرية للجيش اللبناني، في حين برز آخرون في مجالات الصرافة والمصارف، في وقت لعبت فيه مدارس الأليانس دورا تعليميا وثقافيا ساعد على الانفتاح والتواصل مع البيئة المحيطة.

وتعتبر عبد الصمد أن الاقتصاد والتعليم والثقافة المشتركة كانت من أبرز العوامل التي ساهمت في اندماج اليهود في الحياة العامة لبيروت.

الاندماج العام والخصوصية الطائفية

ورغم هذا الحضور الواسع في المجال العام، ظلت الهوية الطائفية حاضرة بقوة في الحياة الخاصة، وهو أمر ترى الكاتبة أنه لم يكن مقتصرا على اليهود، بل يعكس طبيعة النظام الاجتماعي والسياسي اللبناني.

فالأحوال الشخصية، بما تشمل الزواج والطلاق والإرث، ظلت مرتبطة بالانتماء الطائفي، ضمن نظام تاريخي يقوم على تعدد الطوائف واحتفاظ كل منها بخصوصيتها في جوانب أساسية من الحياة.

ومن هنا، ظهر نوع من التعايش بين اندماج أفراد الطائفة اليهودية في الحياة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية من جهة، واستمرار الحدود المرتبطة بالهوية الدينية والطائفية في المجال الخاص من جهة أخرى.

رحيل تدريجي بعيدا عن الأنظار

وتصف عبد الصمد مغادرة اليهود للحي بأنها «رحيل صامت»، استنادا إلى شهادات سكان المنطقة الذين كانوا يلاحظون اختفاء عائلات كاملة من دون إعلان مسبق.

وفي كثير من الحالات، كان الرحيل يُكتشف من خلال إغلاق نوافذ المنازل أو اختفاء أصحابها، بينما غادرت عائلات أخرى بعد بيع ممتلكاتها أو تركها والانتقال إلى بلدان مختلفة.

وتشير الروايات التي وثقتها الكاتبة إلى أن إسرائيل كانت الوجهة الرئيسية لعدد من المغادرين، في حين توجه آخرون إلى دول في أميركا الشمالية واللاتينية وأوروبا.

وبحسب عبد الصمد، لم يأخذ الرحيل شكل عملية جماعية مفاجئة، بل جرى على مراحل، إذ غادرت العائلات تباعا، في ظل ظروف إقليمية متغيرة دفعت كثيرا من أفراد الطائفة إلى البحث عن أماكن أكثر أمنا واستقرارا.

بين الانتماء للبنان وتداعيات الصراع الإقليمي

ترى الكاتبة أن تفسير هذا الرحيل يحتاج إلى وضعه في سياقه التاريخي، بعيدا عن اختزاله في سبب واحد، إذ وجد يهود لبنان أنفسهم أمام تداعيات متراكمة بدأت مع قيام إسرائيل عام 1948، ثم الحروب العربية الإسرائيلية، وتزايد التوترات الإقليمية، وصولا إلى الحرب الأهلية اللبنانية.

وتوضح أن كثيرا من أفراد الطائفة كانوا يعتبرون لبنان وطنهم، لكنهم وجدوا أنفسهم في الوقت نفسه متأثرين بالتوتر المتصاعد حول الصراع العربي الإسرائيلي، وما رافقه من تحولات سياسية وأمنية واجتماعية.

ومع اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، ازدادت المخاوف الأمنية، خصوصا بعد تعرض عدد من وجهاء الطائفة للخطف والقتل، لتتسارع بعدها وتيرة مغادرة من تبقى من أفرادها.

وبمرور السنوات، تقلص الوجود اليهودي في بيروت بصورة كبيرة، ولم يبق في لبنان اليوم سوى عدد محدود من أفراد الطائفة، معظمهم يفضلون عدم الظهور العلني، لتتحول شرفات وادي أبو جميل ومنازله إلى شاهد على مرحلة مهمة من تاريخ المدينة وتنوعها الاجتماعي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى