أخبار عربية ودولية

كارثة الهيمالايا تكشف مخاطر متسلسلة يفاقمها تغير المناخ

من أعالي جبال الهيمالايا انطلقت كارثة لم تتوقف عند انهيار جليدي أو صخري، بل تحولت خلال وقت قصير إلى موجة مدمرة من المياه والحطام امتدت إلى مناطق في نيبال. وبينما تواصل فرق الإنقاذ التعامل مع آثار الفيضانات التي أودت بحياة مئات الأشخاص، تفتح الحادثة نقاشا أوسع حول طبيعة المخاطر التي تتشكل في واحدة من أكثر المناطق الجبلية حساسية لتداعيات تغير المناخ.

وتشير المعطيات الأولية إلى أن الكارثة بدأت بانهيار واسع لكتلة من الصخور والجليد في منطقة جبلية قرب التبت، قبل أن تتطور سلسلة الأحداث إلى تدفق هائل حمل المياه والرواسب والحطام باتجاه الأودية والأنهار، وهو ما جعل الخطر يتجاوز موقع الانهيار الأصلي ويصل إلى مناطق مأهولة في نيبال.

ولا تكمن خطورة هذه الحوادث في قوة الانهيار وحدها، بل في قدرتها على إطلاق سلسلة متتابعة من الظواهر الطبيعية. فقد يؤدي سقوط الصخور والجليد إلى سد مجرى مائي أو تغيير مساره، ثم تتراكم المياه والرواسب خلف العائق قبل أن تنطلق بصورة مفاجئة، حاملة معها كميات ضخمة من الطين والصخور والحطام.

من انهيار جليدي إلى فيضان مدمر

لا يزال تحديد السبب الدقيق للكارثة يحتاج إلى مزيد من الدراسات، لكن صور الأقمار الصناعية التي سبقت الحادثة وتلتها تقدم مؤشرات على انهيار جزء كبير من جرف جبلي شمال جبل لانغتانغ ليرونغ بالقرب من التبت، وهو ما تسبب في سقوط كتلة ضخمة من الصخور والجليد باتجاه الوادي.

ويعتقد علماء أن حجم الكتلة المنهارة والطاقة الناتجة عن سقوطها لعبا دورا أساسيا في تحويل الانهيار إلى كارثة واسعة النطاق. فعندما تتحرك كميات هائلة من الجليد والصخور بسرعة كبيرة فوق منحدرات شديدة الانحدار، يمكنها أن تكتسب قوة كافية لجرف مواد إضافية من محيطها.

وفي مثل هذه الظروف، لا يبقى الجليد مجرد كتلة صلبة تتحرك إلى أسفل الجبل، بل يمكن أن يؤدي الاحتكاك والطاقة الناتجة عن السقوط إلى إذابة جزء منه، بالتزامن مع اختلاطه بالتربة والصخور والمياه والرواسب. ويتحول الخليط الناتج إلى كتلة كثيفة قادرة على التحرك لمسافات طويلة داخل الأودية.

وتشير التقديرات الواردة في تقارير إعلامية إلى أن جزءا واسعا من نهر جليدي انهار من ارتفاع كبير، ما أدى إلى إطلاق كميات ضخمة من الجليد والصخور باتجاه الوادي. ومع استمرار الحركة، التقطت الكتلة المنهارة المزيد من الرواسب والحطام، قبل أن تصل إلى مجاري المياه وتدفع بها نحو المناطق الواقعة أسفلها.

ومن هنا فإن وصف الحادثة بأنها “فيضان” فقط قد لا يعكس الصورة الكاملة لما حدث. فالفيضان كان المرحلة الأخيرة في سلسلة بدأت بانهيار جبلي، ثم تطورت إلى تدفق من الصخور والجليد والرواسب والمياه، قبل أن تنتقل آثاره عبر شبكة الأنهار إلى مناطق أخرى.

الهيمالايا أمام بيئة جبلية مختلفة

تكتسب هذه الحوادث أهمية أكبر بسبب التغيرات المتسارعة التي تشهدها البيئة الجبلية في الهيمالايا. فالاحترار العالمي لا يعني بالضرورة أن كل انهيار جليدي أو فيضان سببه تغير المناخ بصورة مباشرة، لكنه يغير الظروف التي تتشكل فيها هذه المخاطر.

وتراجع الأنهار الجليدية من أبرز مظاهر هذا التحول. ومع ذوبان الجليد وانحسار الأنهار الجليدية، تنكشف مساحات من الصخور والرواسب التي كانت مستقرة لفترات طويلة تحت الجليد، كما تتغير طبيعة المنحدرات والوديان المحيطة بها.

ويضاف إلى ذلك احتمال تشكل بحيرات جديدة نتيجة ذوبان الجليد وتراجع الأنهار الجليدية، وهو ما قد يخلق مخزونات مائية كبيرة في مناطق جبلية شديدة الارتفاع. وإذا انهارت الحواجز الطبيعية التي تحتجز تلك المياه، يمكن أن تنطلق موجات مفاجئة باتجاه المناطق المنخفضة.

كما أن ارتفاع درجات الحرارة يمكن أن يؤثر في التربة الصقيعية التي تساعد على تثبيت أجزاء من الصخور والمنحدرات. ومع ضعف هذه الطبقات، قد تصبح بعض المناطق أكثر عرضة للانهيارات الصخرية والجليدية.

الخطر لا يحدث منفردا

تكشف كارثة الهيمالايا عن جانب بالغ الأهمية في فهم الكوارث المرتبطة بتغير المناخ، وهو أن الأخطار الطبيعية قد تكون مترابطة وليست أحداثا منفصلة.

فانهيار صخري واحد يمكن أن يدمر نهرا جليديا أو يسد مجرى مائيا، ثم يؤدي تغير مسار المياه إلى نقل كميات ضخمة من الرواسب إلى مناطق أخرى. وقد تتسبب الرواسب بدورها في تضييق مجرى النهر ورفع احتمالات حدوث فيضانات لاحقة.

وبذلك يمكن أن تبدأ الكارثة في نقطة مرتفعة ومعزولة، لكنها تمتد تدريجيا عبر شبكة الأنهار إلى مناطق تبعد عشرات أو مئات الكيلومترات.

والأخطر أن كل حدث كبير قد يغير البيئة التي سيحدث فيها الحدث التالي. فإذا انهار منحدر جبلي، فإنه لا يزيل الصخور والجليد فحسب، وإنما يعيد تشكيل التضاريس ويغير مسارات المياه ويكشف طبقات جديدة من التربة والرواسب.

ولهذا قد تصبح خرائط المخاطر التي تعتمد على الظروف السابقة أقل دقة مع مرور الوقت، لأن المنطقة نفسها لم تعد كما كانت قبل وقوع الكارثة.

تغير المناخ يضاعف هشاشة المنطقة

تواجه دول الهيمالايا، ومن بينها نيبال والهند وبوتان والصين، مزيجا معقدا من المخاطر المرتبطة بالجبال والأنهار والمناخ.

فالأنهار الجليدية تمثل مصدرا مهما للمياه بالنسبة لملايين السكان، لكن تراجعها يحمل مفارقة خطيرة. فقد يؤدي الذوبان المتسارع في بعض المراحل إلى زيادة المياه المتاحة مؤقتا، لكنه على المدى الطويل يهدد بتقليص المخزون الجليدي الذي تعتمد عليه الأنهار خلال مواسم الجفاف.

وفي الوقت نفسه، يؤدي تغير أنماط الهطول إلى زيادة صعوبة التنبؤ بالفيضانات والانهيارات الأرضية. وعندما تتزامن الأمطار الغزيرة مع منحدرات غير مستقرة أو أنهار جليدية متراجعة، يمكن أن تتضاعف آثار الكارثة.

ولا تعد هذه المخاطر جديدة تماما على المنطقة. فقد شهدت الهيمالايا خلال السنوات الماضية انهيارات وانهيارات جليدية وفيضانات مدمرة أوقعت أعدادا كبيرة من الضحايا، من بينها كارثة انهيار جليدي وقعت في ولاية أوتاراخند الهندية عام 2021 وأسفرت عن أكثر من 200 وفاة.

لكن الفارق الذي يثير قلق العلماء يتمثل في تغير الظروف المحيطة بهذه الظواهر، وليس في ظهور الخطر للمرة الأولى.

صعوبة التنبؤ بالكوارث الجبلية

تختلف الانهيارات الجليدية والصخرية عن بعض الأخطار المناخية التي يمكن رصد اتجاهاتها بصورة أكثر وضوحا، مثل ارتفاع درجات الحرارة أو ارتفاع مستوى سطح البحر.

ففي الجبال، قد تبقى كتلة صخرية أو جليدية مستقرة لسنوات طويلة قبل أن تنهار خلال دقائق. كما أن تحديد اللحظة التي يصبح فيها منحدر ما غير مستقر بدرجة خطيرة يمثل تحديا علميا وتقنيا كبيرا.

ولهذا تعتمد الاستجابة الحديثة على مجموعة من الأدوات، بينها الأقمار الصناعية وأجهزة مراقبة الأنهار الجليدية ومحطات قياس المياه وأنظمة الإنذار المبكر، إلى جانب تحليل صور التضاريس ورصد التغيرات التي تحدث في المنحدرات والبحيرات الجبلية.

وتساعد هذه الأدوات على اكتشاف بعض المؤشرات المبكرة، لكنها لا تستطيع دائما تحديد توقيت الانهيار بدقة، خصوصا عندما يكون الحدث مرتبطا بتفاعل مفاجئ بين الصخور والجليد والمياه.

الإنذار المبكر قد ينقذ الأرواح

في ظل صعوبة منع الانهيارات الجبلية، تصبح أنظمة الإنذار المبكر واحدة من أهم وسائل الحد من الخسائر البشرية.

ويمكن للإنذار السريع أن يمنح السكان الموجودين في مسار الفيضان أو الانهيار وقتا قصيرا لكنه حاسما للانتقال إلى مناطق أكثر أمانا. غير أن فعالية هذه الأنظمة تعتمد على سرعة اكتشاف الخطر، ودقة التنبؤ بمساره، وقدرة السلطات على إيصال التحذير إلى السكان، إضافة إلى وجود خطط إخلاء واضحة ومناطق آمنة يمكن الوصول إليها بسرعة.

كما أن طبيعة التضاريس الجبلية تجعل إنشاء بنية تحتية دفاعية واسعة أمرا بالغ الصعوبة والتكلفة. فلا يمكن ببساطة بناء حواجز ضخمة أمام كل نهر جليدي أو منحدر معرض للانهيار.

ولهذا تتجه أهمية الاستعداد نحو مراقبة المناطق الأكثر خطورة، وتحديث خرائط المخاطر باستمرار، ومنع التوسع العمراني في المسارات المعروفة للفيضانات والانهيارات، وتحسين قدرات الاستجابة المحلية.

كارثة تغير خريطة الخطر

تقدم كارثة الهيمالايا درسا يتجاوز حدود نيبال والتبت، إذ تظهر أن التعامل مع آثار تغير المناخ لا يمكن أن يقتصر على دراسة كل خطر بصورة منفصلة.

فالانهيار الجليدي قد يتحول إلى انهيار صخري، والانهيار الصخري قد يتحول إلى سد مائي مؤقت، والسد قد يؤدي إلى فيضان مفاجئ، فيما تنقل الأنهار الرواسب والحطام إلى مناطق بعيدة عن نقطة البداية.

ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة وتراجع الأنهار الجليدية وتغير أنماط الأمطار، قد تصبح هذه الروابط أكثر أهمية في تقييم المخاطر المستقبلية.

لذلك لا يتمثل التحدي الأساسي أمام دول الهيمالايا في منع كل كارثة، وهو أمر غير واقعي، وإنما في فهم كيفية تغير البيئة الجبلية والتنبؤ بتسلسل الأخطار والاستعداد لها قبل وصولها إلى المناطق المأهولة.

وتشير الكارثة الأخيرة إلى حقيقة أكثر اتساعا: حين تتغير الجبال، لا تتغير طبيعة الخطر فقط، بل قد تتغير أيضا الأماكن التي ينبغي أن نستعد فيها للخطر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى