مضيق هرمز يعود إلى الواجهة.. تصعيد عسكري يهدد حركة الملاحة وإمدادات الطاقة العالمية

عاد مضيق هرمز إلى صدارة المشهد من جديد، مع تصاعد التوتر العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل مخاوف متزايدة من تداعيات الصراع على حركة الملاحة وإمدادات النفط والغاز العالمية.
ويعد المضيق أحد أهم الممرات البحرية للطاقة، إذ كان يمر عبره قبل اندلاع الحرب نحو خمس الاستهلاك العالمي من النفط ومشتقاته، إضافة إلى نحو خمس التجارة العالمية من الغاز الطبيعي المسال.
ومنذ اندلاع الحرب التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في 28 فبراير/شباط الماضي، شهد المضيق تحولا كبيرا، بعدما نفذت طهران تهديداتها السابقة بتقييد حركة الملاحة، في حين ردت واشنطن بمحاصرة الموانئ الإيرانية، لتتجاوز تداعيات المواجهة حدود المنطقة وتصل إلى أسواق الطاقة والتجارة العالمية.
منطقة محظورة خارج مضيق هرمز
بعد أسابيع من الهدوء النسبي، شهدت الساعات الـ48 الأخيرة تطورات متسارعة أعادت التوتر إلى المضيق، وانعكست بشكل مباشر على حركة السفن وأسعار النفط.
وصعّدت إيران موقفها بإعلان الحرس الثوري عن منطقة وصفها بأنها “محظورة” تمتد خارج مضيق هرمز وتشمل أجزاء من بحر عُمان ومناطق من بحر العرب الواقعة على الطريق المؤدي إلى المضيق.
وقال المتحدث باسم الحرس الثوري حسين محبي للتلفزيون الإيراني إن المنطقة تبدأ تقريبا من جهة تشابهار، وتمتد عبر أجزاء من بحر عُمان وبحر العرب.
وأوضح أن السفن التي تدخل هذه المنطقة من دون تنسيق مسبق ستواجه إجراءات عقابية، بما في ذلك إمكانية حرمانها لاحقا من المرور عبر مضيق هرمز أو الحصول على خدمات مرتبطة بالملاحة، مثل التأمين والخدمات الأخرى.
وكان أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي قد أعلن الأحد أن بلاده تعتزم إنشاء منطقة محظورة خارج المضيق خلال أيام، بالتزامن مع حديث طهران عن إحراز تقدم في مفاوضات مع سلطنة عُمان بشأن إدارة هذا الممر المائي الحيوي.
ومنذ بداية الحرب، فرضت إيران قيودا على حركة السفن في المضيق، واشترطت حصول السفن الراغبة في العبور على موافقتها، مؤكدة أن العودة إلى نظام الملاحة الذي كان قائما قبل الحرب لم تعد مطروحة.
ضربات متبادلة تستهدف السفن
تزامن التصعيد في المضيق مع ارتفاع حدة الاستهداف المتبادل للسفن خلال اليومين الماضيين.
وأعلن الحرس الثوري الإيراني، اليوم الأربعاء، استهداف سفينتين أمريكيتين وثماني ناقلات نفط، مؤكدا أن الهجمات ألحقت بها أضرارا جسيمة، وقال إنها جاءت ردا على استهداف الولايات المتحدة خمس ناقلات نفط إيرانية.
كما تحدث الحرس الثوري عن استهداف عشر سفن أخرى داخل المضيق، متهما إياها بمحاولة العبور من منطقة وصفها بأنها “محظورة وغير آمنة”، بدعم وتشجيع من القوات الأمريكية.
وكانت واشنطن قد أعلنت الثلاثاء تدمير خمس ناقلات نفط إيرانية، ونشرت القيادة المركزية الأمريكية تسجيلا مصورا للعمليات، موضحة أنها جاءت ردا على استهداف الحرس الثوري سفينة حربية أمريكية مرتين بصواريخ باليستية خلال اليومين السابقين.
وقالت القيادة المركزية إن الناقلات المستهدفة هي “كافيز” و”شارمينار” و”هورايزون 1″ و”رييسكو” في خليج عُمان، إضافة إلى ناقلة “ديريا” قرب جزيرة خارك، مشيرة إلى أن طواقم السفن تلقت تحذيرات بمغادرتها قبل تنفيذ الضربات.
من جانبه، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، خلال زيارة إلى كولومبيا، إن إيران تواصل محاولاتها لاستهداف السفن الحربية الأمريكية، محذرا من أن كل محاولة من هذا النوع ستقابل باستهداف ناقلات النفط الإيرانية.
تراجع حاد في حركة الملاحة
بدأت آثار التصعيد تظهر سريعا على حركة السفن في مضيق هرمز، إذ أظهرت بيانات أولية لحركة الشحن أن ست سفن مخصصة لنقل السلع عبرت المضيق الثلاثاء، مقارنة بتسع سفن في اليوم السابق، وبمتوسط يقارب 12 سفينة خلال الأيام العشرة السابقة.
ويكشف هذا التراجع حجم التأثير الذي أحدثته التطورات العسكرية الأخيرة، خصوصا أن حركة الملاحة كانت أكثر كثافة بكثير قبل اندلاع الحرب في 28 فبراير/شباط، عندما كان يعبر المضيق نحو 125 سفينة تجارية كبيرة يوميا، تشمل ناقلات النفط والغاز الطبيعي، وفقا لبيانات نقلتها رويترز.
وتواصل عدد من السفن الموجودة في المضيق الانتظار، وسط حالة من عدم اليقين بشأن إمكانية استئناف حركة العبور بصورة طبيعية، في وقت تتصاعد فيه المخاوف من استمرار الهجمات المتبادلة.
ناقلات عالقة ومخاوف من استمرار الأزمة
وأفادت وكالة الأناضول بأن سفنا موجودة في مضيق هرمز ما زالت تنتظر العبور، بينما تراجعت حركة الملاحة بشكل كبير نتيجة المواجهة بين إيران والولايات المتحدة.
ورصد فريق تابع للوكالة ناقلات نفط إيرانية متوسطة الحجم تنتظر في المنطقة، وقد ظهرت على بعضها آثار أضرار وصدأ نتيجة بقائها لفترات طويلة دون حركة.
كما نقلت الوكالة عن صيادين إيرانيين أن الناقلات الكبيرة جرى نقلها إلى مناطق تعتبر أكثر أمنا نسبيا، في محاولة لتقليل المخاطر المرتبطة باستمرار التصعيد.
تداعيات تتجاوز حدود المنطقة
ويضع التصعيد الجديد مضيق هرمز أمام اختبار جديد، نظرا إلى الدور المحوري الذي يلعبه في حركة الطاقة العالمية.
فأي تراجع مستمر في حركة السفن أو توسع في نطاق استهداف الناقلات يمكن أن يؤدي إلى اضطراب إضافي في إمدادات النفط والغاز، ويدفع أسعار الطاقة إلى مستويات أعلى، فضلا عن زيادة تكاليف التأمين والشحن.
ومع استمرار التوتر العسكري وغياب مؤشرات واضحة على عودة حركة الملاحة إلى طبيعتها، أصبح مستقبل المضيق أحد أبرز العوامل التي تراقبها الأسواق العالمية، ليس فقط لتأثيره على المنطقة، وإنما لما يمكن أن يترتب عليه من تداعيات على أمن الطاقة وسلاسل الإمداد حول العالم.







